الخرف ليس مرضًا واحدًا، بل مصطلح شامل يضم مجموعة من الحالات التي تؤثر في الذاكرة والتفكير والقدرة على أداء المهام اليومية. وبحسب منظمة الصحة العالمية، يعيش أكثر من 57 مليون شخص حول العالم مع الخرف، ومن المتوقع أن يتضاعف العدد تقريبًا كل 20 عامًا.
وغالبًا ما تبدأ أعراض الخرف قبل التشخيص الرسمي بسنوات، وربما بعقود في بعض الحالات، ما يجعل التشخيص المبكر عاملًا مهمًا في تحسين النتائج الصحية وجودة حياة المصابين، بحسب تقرير نشره موقع “EatingWell”.
وسلط خبراء الضوء على خمس علامات قد تظهر قبل تشخيص الخرف بسنوات. ولا يعني ظهور أي منها بالضرورة إصابة الشخص بالخرف أو أنه سيصاب به مستقبلًا، لكنها تستحق الانتباه إذا تكررت باستمرار أو تفاقمت بمرور الوقت أو بدأت تؤثر في الحياة اليومية.
تشير الأبحاث إلى أن صعوبة الاحتفاظ بمعلومات التفاعلات الحديثة تُعد من أبكر علامات الخرف وأكثرها وضوحًا.
ولا يتعلق الأمر بنسيان عابر لما دار في الحديث، وإنما بنمط متكرر من عدم القدرة على تذكّر ما قيل أو اتُّفق عليه أو جرى تبادله خلال محادثة حدثت قبل وقت قصير.
وقالت الدكتورة ليندا دولين، المديرة الطبية لمركز سيلفيا برافمان للصحة النفسية، إن التغيرات المبكرة تظهر عادة على شكل فقدان متكرر للقدرة على تذكّر المحادثات الأخيرة.
وقد يشير هذا النوع من فقدان الذاكرة إلى تغيرات مبكرة في الحُصين والمناطق المحيطة به في الدماغ، وهي مناطق مسؤولة عن تكوين الذكريات الجديدة واسترجاعها.
قد تكون الصعوبة المتكررة في تذكّر كلمات مألوفة إحدى علامات الإنذار المبكر. ويُعرف هذا العرض طبيًا باسم “فقدان القدرة على التسمية” (Anomia)، وقد يشير إلى تغيرات مبكرة في مراكز اللغة بالدماغ.
ويُعد هذا العرض من علامات التدهور المعرفي المبكرة الشائعة، فيما يقول الدكتور ماكس دوشاي، الأخصائي النفسي السريري، إن من أبرز المؤشرات على التدهور المعرفي فقدان الشخص مهارات كان يؤديها بسهولة في السابق.
تعتمد مهام يومية، مثل اتباع وصفة طعام أو إدارة الميزانية أو تنظيم الجدول، على مهارة معرفية تُعرف باسم “الوظائف التنفيذية”.
وعندما تبدأ هذه القدرة بالتراجع، قد تتحول مهام كان الشخص ينجزها بصورة تلقائية إلى أعمال مرهقة أو مربكة.
وقد تمر هذه العلامة دون ملاحظة، إذ يميل البعض إلى إرجاعها إلى التوتر أو تشتت الانتباه.
وقالت الدكتورة شانون فرانكلين، الأخصائية النفسية، إن تباطؤ القدرة على أداء الأمور اليومية يكون في كثير من الأحيان أول علامة، فيما تشير الأبحاث إلى أن تراجع الوظائف التنفيذية قد يسبق شكاوى الذاكرة بعدة سنوات في بعض أشكال الخرف.
تُعد تغيرات الشخصية والمزاج والسلوك من علامات الخرف المبكرة التي قد تسبب ارتباكًا للشخص نفسه وللمحيطين به.
فقد يتحول الشخص الذي عُرف بالصبر إلى سريع الانفعال، بينما قد يصبح الشخص الاجتماعي أكثر ميلًا إلى الانطواء أو الشك.
وربطت الأبحاث بين التغيرات المبكرة في الفص الجبهي وارتفاع خطر الخرف، حتى في غياب فقدان واضح للذاكرة في تلك المرحلة.
وقال دوشاي إن التغيرات الملحوظة في الشخصية والمزاج من أبرز علامات الإنذار المبكر، لافتًا إلى أن ضعف الحكم على الأمور قد يصاحب هذه التغيرات السلوكية، بما يعكس اضطرابًا في الفص الجبهي المسؤول عن اتخاذ القرارات وضبط الاندفاع والسلوك الاجتماعي.
قد يمثل الانسحاب التدريجي من التفاعل الاجتماعي والهوايات والأنشطة التي اعتاد الشخص الاستمتاع بها علامة مبكرة خفية، لكنها تستحق الانتباه.
وقد يرتبط هذا الانسحاب بعدة عوامل، من بينها إدراك الشخص لصعوبات معرفية يواجهها، أو الإرهاق، أو تراجع الدافعية، أو تغيرات الشخصية.
وقالت فرانكلين إن الانسحاب من الأنشطة التي كان الشخص يستمتع بها، إلى جانب تراجع القدرة على اتخاذ القرارات، من العلامات التي تستحق المراقبة.
وأضافت أن العزلة الاجتماعية نفسها قد تسهم في تسريع التدهور المعرفي، ما قد يؤدي إلى حلقة مفرغة من المهم كسرها مبكرًا.
ينصح الخبراء بتدوين التغيرات الملحوظة، بما في ذلك وقت ظهور الأعراض وعدد مرات حدوثها ومدى تأثيرها في أداء المهام اليومية، وعرض هذه المعلومات على الطبيب.
كما يُنصح بحجز موعد طبي في أقرب وقت، إذ يتيح التقييم المبكر المجال أمام التدخلات والتغييرات في نمط الحياة والحصول على الدعم الذي قد يساعد في الحد من التدهور المعرفي.
ويشدد الخبراء كذلك على أهمية دعم صحة الدماغ من خلال النشاط البدني المنتظم، والنوم الكافي، والتواصل الاجتماعي، وضبط عوامل خطر أمراض القلب والأوعية الدموية.
وقد تسبب حالات صحية أخرى أعراضًا مشابهة للتدهور المعرفي، لذلك يبقى التقييم على يد مقدم رعاية صحية مختص الوسيلة الأفضل لفهم أسباب الأعراض والحصول على الرعاية المناسبة.
تميل العلامات الأولى للخرف إلى الظهور بصورة خفية وتدريجية، ما يجعل تجاهلها أمرًا سهلًا. ومن أبرزها تكرار هفوات الذاكرة، وصعوبة إيجاد الكلمات، ومشكلات التخطيط، وتغيرات الشخصية، والانسحاب الاجتماعي.
ورغم أن ظهور أي من هذه العلامات لا يؤكد الإصابة بالخرف، فإن التقييم المبكر يساعد على فهم ما يحدث واتخاذ الإجراءات المناسبة للحد من التدهور المعرفي.
وعند الشعور بالقلق بشأن ظهور هذه الأعراض، سواء لدى الشخص نفسه أو أحد المقربين منه، يُنصح بالتحدث إلى الطبيب أو طبيب أعصاب لتحديد الخطوات التالية.