في سابقة علمية لافتة، لم يكتفِ علاج جيني واحد بإيقاف العمى الوراثي لدى كلاب بالغة، بل حفّز شبكيات أعينها على ترميم الوصلات العصبية التالفة واستعادة جزء من البصر المفقود.
وتتحدى النتائج، التي توصل إليها باحثون في كلية الطب البيطري بجامعة ميشيغان ستيت ونُشرت في مجلة “Molecular Therapy Advances”، افتراضاً علمياً راسخاً منذ عقود بأن الخلايا العصبية الناضجة لدى الثدييات غير قادرة على إصلاح نفسها، ما يفتح باباً جديداً أمام علاجات محتملة لأمراض وراثية تسبب فقدان البصر وكان يُعتقد أنها غير قابلة للعكس.
درس الفريق علاجاً جينياً يستهدف جين “CaBP4″، المرتبط بحالة وراثية نادرة تؤثر في إشارات الكالسيوم بين الخلايا المستشعرة للضوء والدماغ.
ووجد الباحثون أن العلاج لم يقتصر على وقف تقدم المرض، بل دفعت جرعة واحدة الشبكية البالغة إلى إعادة بناء الوصلات التالفة، وزيادة سماكتها، واستعادة جزء من الوظيفة البصرية المفقودة.
تشبّه بيكويث كوهين الطفرات الجينية بخطأ في مخطط بناء، موضحة أن الطفرات في أحد جينات الشبكية تشبه خطأً مطبعياً يجعل التعليمات غير مفهومة للنظام، فينتج عنها تصميم معيب ينتهي بفقدان البصر.
أما العلاج الجيني، بحسب التشبيه نفسه، فيقدم تعليمات جديدة لتصحيح الجزء الخاطئ، كما يفعل المحرر عند إصلاح النص.
ورغم أن الفريق كان يتوقع حدوث تحسن وظيفي، فإن حجم الترميم الفيزيائي في شبكيات مكتملة النمو كان لافتاً بصورة خاصة.
وتقول بيكويث كوهين: “استطعنا في هذه الورقة إظهار ثلاثة تغيرات بنيوية مستقلة تدعم المرونة في الشبكية البالغة. لم تُضَف مكونات جديدة فحسب، بل أُصلحت أيضاً تشوهات قائمة”.
درس الباحثون كلاباً أُصيبت بهذه الحالة بصورة طبيعية، وترى بيكويث كوهين أن دراسة الأمراض التلقائية لديها تمثل خطوة مهمة باتجاه تطوير علاجات لعمى الطفولة لدى البشر.
وتوضح أن الكلاب تقدم ميزتين مقارنة بنماذج شائعة مثل القوارض، أولهما أن عين الكلب تشبه عين الإنسان بدرجة أكبر، إذ تتميز بحجمها الكبير وبصرها المتطور واحتوائها على مناطق ذات كثافة عالية من المخاريط، ما يمنح حدة إبصار أفضل.
أما الميزة الثانية فتتمثل في أن المرض يظهر بصورة طبيعية لدى الكلاب، وليس نتيجة تعديل وراثي مصطنع، وهو ما يجعله نموذجاً أقرب إلى الطريقة التي تظهر بها الطفرات لدى البشر.
للأبحاث التي تعتمد على الكلاب في كلية الطب البيطري بجامعة ميشيغان ستيت سجل طويل في المساهمة في نقل العلاجات من المختبر إلى التجارب البشرية.
وقاد بيترسن جونز عقوداً من أبحاث العلاج الجيني ما قبل السريرية على الكلاب، من بينها دراسات مؤثرة على نماذج “CNGB1″، أسهمت في تقليص الفجوة بين الأبحاث المخبرية والتطبيقات البشرية.
ويستند هذا النهج إلى تاريخ طويل في العلاج الجيني للعين، يعود إلى “لانسلوت”، الكلب الذي عولج في جامعة بنسلفانيا، وأسهمت الأبحاث التي أُجريت عليه لاحقاً في ظهور أول علاج جيني للشبكية يحصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية للاستخدام لدى البشر.
ورغم أن طفرات “CaBP4” تسبب شكلاً نادراً من العمى الوراثي، يرى الباحثون أن إثبات قدرة الشبكية البالغة على إصلاح شبكاتها العصبية قد يفتح آفاقاً أوسع أمام علاجات مستقبلية.
فإظهار أن العين البالغة تحتفظ بقدرة على إعادة تنظيم بنيتها وإصلاحها يمنح أملاً جديداً في أن بعض أشكال فقدان البصر، التي كان يُعتقد أنها دائمة، قد تصبح قابلة للتعافي مستقبلاً.
وجاءت هذه النتائج ثمرة عشر سنوات من الدراسات في مختبر بيترسن جونز، شملت تحديد الطفرة الجينية وتطوير العلاج.