الوضع الداكن
منوعات - هوس الأكل الصحي.. عندما يتحول السعي إلى الصحة إلى اضطراب
نشر بتاريخ 2026/06/28 3:38 مساءً
7 مشاهدة

في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، باتت أنماط الحياة الجديدة تفرض نفسها على الأفراد، ومن بينها الاهتمام المتزايد بالغذاء الصحي. إلا أن هذا الاهتمام تجاوز لدى البعض حدود الاعتدال، ليتحول إلى هوس بالطعام الصحي، أو ما يُعرف علميًا بـ”اضطراب الأكل الصحي” (Orthorexia nervosa)، وهو سلوك قد يحمل آثارًا صحية ونفسية واجتماعية مقلقة.


تابعونا على التليكرام


ما هو اضطراب الأكل الصحي؟

صاغ الطبيب الأمريكي ستيفن براتمان مصطلح “اضطراب الأكل الصحي” عام 1997، في إشارة إلى الانشغال المفرط باختيار الطعام الصحي والالتزام الصارم بمعايير تتعلق بجودته وطريقة تحضيره ومصدره.

ورغم أن هذا الاضطراب لم يُدرج حتى الآن ضمن التصنيفات الرسمية لاضطرابات الأكل، فإنه أصبح محورًا متزايدًا للدراسات والنقاشات العلمية، خاصة بعد تحول الاهتمام بالصحة لدى بعض الأشخاص إلى هوس بالنحافة والحصول على جسم مثالي من خلال أنظمة غذائية صارمة.

ويرتبط الاضطراب غالبًا بسلوكيات قهرية، مثل الإفراط في ممارسة الرياضة، والوسواس المرتبط بالغذاء، والنزعة إلى الكمالية فيما يتعلق بشكل الجسم.

آثار صحية ونفسية

لا تقتصر مخاطر اضطراب الأكل الصحي على سوء التغذية الناتج عن استبعاد مجموعات غذائية كاملة، بل تمتد إلى ارتفاع مستويات التوتر والقلق والاكتئاب، وتراجع الأداء المهني، وضعف العلاقات الاجتماعية، وانخفاض الرضا عن الحياة، بما يؤثر في جودة حياة المصابين بشكل ملحوظ.

انتشار متزايد

يسعى الباحثون إلى اعتماد اضطراب الأكل الصحي ضمن اضطرابات الأكل المعترف بها، إلا أن غياب معايير تشخيص موحدة وصعوبة التمييز بين الاهتمام الصحي الطبيعي بالطعام والسلوك المرضي لا يزالان يؤخران ذلك.

وتُظهر الدراسات تفاوتًا واسعًا في معدلات الانتشار، إذ تراوحت بين 6.9% و75.2% بين عموم السكان، بحسب الدولة والفئة السكانية وأدوات القياس المستخدمة، وفق مراجعة نُشرت عام 2021.

وفي بعض الفئات، ترتفع النسبة بصورة أكبر، إذ بلغت 76.2% بين طلاب الطب في جامعة إينونو التركية عام 2017، بينما أشارت دراسة شملت أكثر من 30 ألف مشارك من 18 دولة، بينها الأردن ولبنان، إلى أن نحو 30% من الرجال والنساء يعانون من أعراض مرتبطة باضطراب الأكل الصحي.

كما تراوحت معدلات الأشخاص المعرضين لاضطرابات الأكل عمومًا في الدول العربية بين 23.8% و34.8%، في حين بلغت نسبة انتشارها 3.2% وفق مراجعة منهجية نُشرت عام 2024.

وسائل التواصل الاجتماعي في دائرة الاتهام

يرى باحثون أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت من أبرز العوامل التي تغذي هوس الأكل الصحي، مع انتشار المحتوى الذي يروج لأنماط غذائية توصف بأنها “مثالية”، إلى جانب التحديات الغذائية والصور المرتبطة بالحياة الصحية المثالية.

وأظهرت مراجعة علمية نُشرت عام 2025 وشملت 17 دراسة أن الإفراط في استخدام منصات مثل إنستغرام يرتبط بزيادة احتمالات الإصابة باضطراب الأكل الصحي، نتيجة التعرض المستمر للمحتوى الغذائي الموجه.

في المقابل، أشارت الدراسة إلى أن هذه المنصات قد تؤدي دورًا إيجابيًا إذا استُخدمت في نشر الوعي والدعم النفسي وتعزيز التعافي من بعض الاضطرابات.

كما أكدت دراسة إسبانية أجريت عام 2023 على 653 شابًا أن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة إنستغرام، يرتبط بزيادة اضطرابات الأكل بين المراهقين.

وأظهرت مراجعة منهجية أخرى عام 2025 أن متابعة محتوى الحميات الغذائية، والرشاقة، والتمارين الرياضية، وبناء العضلات، ترتبط بظهور أعراض اضطراب الأكل الصحي واضطراب تشوه العضلات.

هوس الجسد المثالي

تشير الأبحاث إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤثر بصورة غير مباشرة في اضطرابات الأكل من خلال ترسيخ معايير غير واقعية للجسد المثالي، وهو ما يدفع بعض الأشخاص إلى تبني أنماط غذائية متشددة لتحقيق تلك الصورة.

وأظهرت دراسة أسترالية شملت 558 امرأة أن الإفراط في تقييم الذات بناءً على المظهر الخارجي يزيد خطر ظهور أعراض اضطراب الأكل الصحي.

في المقابل، كشفت دراسة نُشرت عام 2024 وشملت 1253 امرأة أن ارتفاع مستوى الرضا عن شكل الجسم يسهم في خفض احتمالات الإصابة بالاضطراب، مما يعزز أهمية بناء صورة ذهنية إيجابية عن الجسد.

هل تزيد المعرفة الغذائية من خطر الإصابة؟

تشير بعض الدراسات إلى أن التوسع في المعرفة الغذائية قد يتحول لدى بعض الأشخاص إلى انشغال مفرط بجودة الطعام، خاصة عندما يقترن بالتشدد الفكري أو السعي للكمال.

وأظهرت دراسة أجريت عام 2022 على 1429 من طلاب وخريجي تخصصات التغذية أن نسبة الإصابة باضطراب الأكل الصحي بلغت 59.8%، وكانت أعلى بين الطلاب مقارنة بالمختصين الممارسين.

كما بلغت النسبة 43.6% بين طلاب الطب في جامعة أتاتورك، ما يشير إلى انتشار الاضطراب بين الفئات ذات الثقافة الصحية المرتفعة.

ويرى الباحثون أن تطور الخبرة المهنية واكتساب مهارات التفكير النقدي قد يسهمان في الحد من هذه السلوكيات مع مرور الوقت.

العلاقة بالحالة النفسية

تشير الأدلة إلى وجود ارتباط بين اضطراب الأكل الصحي والحالة النفسية، إذ أظهرت دراسة ألمانية نُشرت عام 2022 أن بعض المصابين يعتقدون أن الالتزام الصارم بالطعام الصحي يساعدهم على تخفيف التوتر.

كما بينت دراسة أجريت على 519 مشاركًا في لبنان أن القلق والاكتئاب يرتبطان بزيادة الميل نحو تبني سلوكيات غذائية مرتبطة بهوس الأكل الصحي، مع تأكيد الباحثين الحاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد طبيعة هذه العلاقة وما إذا كانت سببية.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات