الوضع الداكن
تاريخ - بعثة فرانكلن.. رحلة بريطانية إلى القطب الشمالي انتهت بموت 129 بحاراً
نشر بتاريخ 2026/09/07 4:51 مساءً
2 مشاهدة

تحولت بعثة بريطانية انطلقت عام 1845 لاستكشاف القطب الشمالي إلى واحدة من أشهر الكوارث في تاريخ الرحلات البحرية، بعدما اختفى جميع أفرادها، قبل أن تكشف بعثات البحث لاحقاً عن جثث محنطة وبقايا بشرية حملت أدلة على الظروف القاسية التي عاشها أفراد الرحلة في أيامهم الأخيرة.


تابعونا على التليكرام 


فرانكلن يقود المهمة

في عام 1845، اتجهت بريطانيا إلى خوض رحلة استكشافية فريدة نحو القطب الشمالي، في محاولة لعبور آخر المناطق غير المستكشفة من الممر الشمالي الغربي، شمال كندا حالياً، والذي يربط المحيطين الأطلسي والهادئ عبر أرخبيل القطب الشمالي الكندي.

وأملاً في إنجاح المهمة المحفوفة بالمخاطر، اختارت البحرية البريطانية المستكشف والأميرال جون فرانكلن لقيادة البعثة، مستفيدة من خبرته الواسعة في الرحلات إلى القطب الشمالي.

وكان فرانكلن قد شارك خلال السنوات السابقة في ثلاث عمليات استكشافية بالمنطقة، من أبرزها رحلة كوبرماين (Coppermine) بين عامي 1819 و1822.

سفينتان و129 بحاراً

وضعت البحرية البريطانية سفينتي “إتش إم إس إيريباس” (HMS Erebus) و”إتش إم إس تيرور” (HMS Terror) تحت تصرف فرانكلن.

وكانت السفينتان تُعدان آنذاك من بين أفضل السفن البريطانية، بفضل حجمهما الكبير وتجهيزهما بالأشرعة والمحركات البخارية التي أتاحت لهما بلوغ سرعة قُدرت بنحو 4 عقد.

وتألف طاقم البعثة من نحو 129 بحاراً من ذوي الخبرة في الملاحة. ولضمان توافر المؤن، زودت السلطات البريطانية السفينتين بآلاف علب الأغذية المحفوظة، إلى جانب توفير اللحوم الطازجة مع اقترابهما من غرينلاند.

آخر ظهور للبعثة

في منتصف مايو/أيار 1845، غادرت السفينتان منطقة غرينهيث (Greenhithe) في إنجلترا، واتجهتا نحو شمال إسكتلندا قبل وصولهما إلى المناطق القريبة من غرينلاند.

وشوهد أفراد بعثة فرانكلن للمرة الأخيرة في أغسطس/آب 1845، عندما رصدهم صيادون أوروبيون في خليج بافن (Baffin Bay)، حيث كان طاقم السفينتين ينتظر ظروفاً مناخية مناسبة لعبور مضيق لنكستر المحفوف بالمخاطر.

بعد ذلك، اختفت البعثة، ليبدأ واحد من أكثر الألغاز إثارة في تاريخ استكشاف القطب الشمالي.

الجليد يحاصر السفينتين

على مدار نحو 150 عاماً التالية، نُظمت رحلات علمية عديدة للبحث عن بقايا بعثة فرانكلن ومحاولة معرفة ما جرى لأفرادها في أيامهم الأخيرة.

وأسفرت عمليات البحث الأولية عن العثور على ثلاثة قبور وبعض بقايا الحملة في جزيرة بيتشي.

وبحسب ما توصلت إليه الأبحاث، واجه فرانكلن ورفاقه ظروفاً قاسية في القطب الشمالي، بعدما حاصرتهم كتل الجليد منذ عام 1846.

وكشفت رسالة تركها أحد أفراد الطاقم، وعثر عليها عام 1859 الأميرال الأيرلندي فرانسيس ليوبولد ماكلينتوك (Francis Leopold McClintock) شمال غربي جزيرة الملك وليام، أن أفراد البعثة اضطروا إلى التخلي عن سفنهم العالقة في الجليد يوم 22 أبريل/نيسان 1848.

وعند مغادرتهم السفينتين، كان 105 رجال فقط من أفراد البعثة لا يزالون على قيد الحياة.

وفاة فرانكلن ونهاية الطاقم

أشارت الرسالة أيضاً إلى وفاة جون فرانكلن في 11 يونيو/حزيران 1847.

وبعد قضاء شتاء قاسٍ بين عامي 1847 و1848، قرر من تبقى من أفراد البعثة السير على الأقدام باتجاه نهر باك (Back River)، إلا أنهم لقوا حتفهم جميعاً في ظروف شديدة القسوة.

وتشير الأبحاث إلى أن أفراد البعثة فارقوا الحياة نتيجة مجموعة من العوامل، من بينها التجمد والجوع والأمراض، مثل الإسقربوط والسل، فضلاً عن هجمات الحيوانات المفترسة.

جثث محنطة بعد نحو 140 عاماً

في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، أجرى فريق تابع لعالم الأنثروبولوجيا الكندي أوين بيتي (Owen Beattie) أبحاثاً على محتويات القبور في جزيرة بيتشي، إلى جانب عدد من البقايا البشرية الأخرى التي خلفها أفراد بعثة فرانكلن.

وظلت الجثث الثلاث الموجودة في جزيرة بيتشي محفوظة بصورة لافتة لنحو 140 عاماً، بفعل درجات الحرارة شديدة الانخفاض.

وتحدثت التقارير عن وفاة الرجال الثلاثة بسبب مرض السل وتدهور حالتهم الصحية بالتزامن مع تعرضهم للتسمم بالرصاص. ورجحت فرضيات أولية أن مصدر الرصاص كان علب الطعام، قبل أن تنفي أبحاث أخرى ذلك وتلقي باللوم على نظام مياه الشرب في السفن.

أدلة على أكل لحوم الموتى

كشفت دراسة البقايا البشرية الأخرى التي عُثر عليها عن معاناة أفراد بعثة فرانكلن من الجوع الشديد خلال محاولاتهم الأخيرة للبقاء على قيد الحياة.

كما أظهرت آثار الأدوات الحادة الموجودة على بعض العظام أدلة على لجوء أفراد من البعثة إلى أكل لحوم رفاقهم الموتى في ظل الظروف القاسية ونفاد مصادر الغذاء.

وهكذا انتهت الرحلة التي انطلقت بهدف استكشاف واحد من أكثر الممرات البحرية غموضاً في العالم إلى مأساة أودت بحياة جميع أفرادها، بينما ظلت الجثث والبقايا التي خلفوها شاهدة على الأيام الأخيرة للبعثة.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات