يُعد طاق كسرى، المعروف أيضًا باسم إيوان كسرى أو إيوان المدائن، واحدًا من أبرز المعالم الأثرية الباقية من العصر الساساني في العراق، ويقع على بُعد نحو 40 كيلومترًا جنوب العاصمة بغداد، بالقرب من قضاء سلمان باك على الضفة الشرقية لنهر دجلة.
ويشكّل البناء شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ المدائن، التي كانت من أبرز مراكز الدولة الساسانية، كما ارتبط لاحقًا بأحداث فتح المدينة ودخول المسلمين إليها.
يقع طاق كسرى بالقرب من مدينة سلمان باك، التي تضم مرقدي الصحابيين سلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان، ضمن منطقة المدائن التاريخية جنوب بغداد.
ويُعد الإيوان من أبرز ما تبقى من العمارة الساسانية، إذ بُني من الآجر والجص، وتميز بقوسه الضخم الذي أصبح واحدًا من أشهر المعالم الأثرية في العراق.
تشير الروايات التاريخية الواردة إلى أن إيوان المدائن شُيّد نحو عام 550 ميلادية، في عهد الملك الساساني كسرى أنوشروان.
وبلغ طول البناء نحو مئة ذراع، وعرضه خمسين ذراعًا، فيما وصل ارتفاع طاقه عن الأرض إلى قرابة 30 مترًا.
وعلى الرغم من مرور قرون طويلة على بنائه، بقي جزء كبير من الإيوان قائمًا، رغم تعرضه لأضرار وانهيارات في فترات مختلفة.
تذكر المصادر أن الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور أمر بهدم أجزاء من طاق كسرى عام 146 للهجرة، الموافق 763 ميلادية، بهدف الاستفادة من مواده في بناء بغداد.
إلا أن المشروع لم يستمر، بعدما تبين أن تكاليف الهدم ونقل مواد البناء كانت مرتفعة.
كما تعرض الإيوان لاحقًا لأضرار إضافية، من بينها انهيارات وقعت نتيجة فيضان عام 1888، قبل أن تُنفذ أعمال ترميم في مراحل لاحقة.
ارتبط طاق كسرى أيضًا بروايات دينية وتاريخية تتحدث عن أحداث وقعت ليلة مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وبحسب هذه الروايات، تعرض الإيوان لاضطراب وسقطت منه أربع عشرة شرفة، بالتزامن مع أحداث أخرى ذُكرت في كتب السيرة، منها خمود نار فارس وغيض بحيرة ساوة.
وتُصنّف هذه الأحداث في المصادر الدينية ضمن ما يُعرف بـ”الإرهاصات” التي قيل إنها سبقت أو رافقت مولد النبي.
بعد فتح المدائن، تذكر المصادر أن سعد بن أبي وقاص اتخذ إيوان كسرى مصلّى للمسلمين.
كما وردت روايات تفيد بأن الإمام علي بن أبي طالب صلى في المكان، وهو ما منح الموقع بعدًا دينيًا إلى جانب قيمته التاريخية والأثرية.
وأوصى الشيخ عباس القمي في كتاب “مفاتيح الجنان” زائري سلمان الفارسي بأداء ركعتين أو أكثر عند طاق كسرى بعد انتهاء الزيارة.
بقي طاق كسرى على مدى قرون شاهدًا على انتقال المنطقة من الحكم الساساني إلى العصر الإسلامي، وعلى التحولات السياسية والعمرانية التي شهدتها المدائن وبغداد.
ورغم ما تعرض له من أضرار وانهيارات ومحاولات هدم، لا يزال الإيوان حتى اليوم واحدًا من أكثر المعالم التاريخية العراقية ارتباطًا بذاكرة المنطقة وحضاراتها المتعاقبة.