الوضع الداكن
تاريخ - “مكيفات الأجداد”.. كيف واجه العرب حرارة الصيف قبل الكهرباء؟
نشر بتاريخ 2026/08/30 3:42 مساءً
1 مشاهدة

تخيل أنك تعود إلى منزلك في ظهيرة صيفية شديدة الحرارة، لتكتشف أن جهاز التحكم بمكيف الهواء مفقود، أو أن المكيف نفسه توقف عن العمل.

في كثير من مناطق العالم، قد تصبح الحياة من دون تكييف الهواء شديدة الصعوبة، وربما خطيرة في ظل درجات الحرارة المرتفعة. لكن كيف عاش أسلافنا قبل ظهور أجهزة التكييف والمراوح الكهربائية؟ وكيف تمكنوا من مواجهة الحر الشديد باستخدام ما توفر لهم من موارد وتقنيات؟


تابعونا على التلكرام


ابتكارات مستوحاة من البيئة

قبل عصر الكهرباء، ابتكر الإنسان وسائل معمارية وشخصية تتلاءم مع البيئة، واستفاد بذكاء من حركة الهواء وخصائص انتقال الحرارة للحفاظ على البرودة في المناخات الحارة، سواء في القصور أو المنازل العادية.

ويعدد الباحث السوري في تاريخ العلوم العربية الدكتور سائر بصمه جي أشكال التهوية الطبيعية التي عرفها الإنسان، مشيرًا في حديثه مع “الجزيرة نت” إلى أن أبسطها تمثل في فتح النوافذ والأبواب لإدخال الهواء البارد إلى الغرف صيفًا وخفض درجات الحرارة داخلها.

كما استخدم الناس وسائل أخرى، منها جلب الجليد من المناطق الجبلية المرتفعة، وبناء المنازل داخل الصخور أو تحت الأرض، فضلًا عن استخدام الخشب والطين، المعروفين بخصائصهما الطبيعية العازلة للحرارة.

ولجأ القدماء أيضًا إلى وسائل مباشرة لخفض حرارة أجسادهم، بينها الاستحمام بالماء البارد والسباحة وتبليل الثياب بالماء، واستخدام المراوح اليدوية، إلى جانب تبريد مناطق النبض، مثل المعصمين وجانبي الرقبة، بالماء أو قطع القماش المبللة.

وفي كتابه “التبريد في التراث العلمي العربي”، يستعرض بصمه جي تطور تقنيات التبريد وأساليبه، موضحًا أن قدماء المصريين والإغريق والرومان استخدموا الحصائر الرطبة لتبريد الهواء داخل المنازل، عبر تعليقها فوق فتحات الأبواب.

وفي العراق، استخدم السكان الطريقة ذاتها، إذ كانوا يعلقون الحصر المبللة خارج فتحات النوافذ لتبريد الهواء بفعل تبخر المياه، فيما كان بعضهم يستبدل الحصر بكميات من الفحم النباتي لامتصاص الروائح الكريهة من الهواء.

كما تكشف الملابس التقليدية لدى الشعوب العربية عن جانب آخر من وسائل مواجهة الحر، إذ وظف سكان شبه الجزيرة العربية الملابس المصنوعة من مواد طبيعية، مثل القطن والصوف، للحماية من الحرارة وأشعة الشمس.

ذكاء معماري في مواجهة “القيظ”

أطلق العرب على أشد فترات الصيف حرارة اسم “القيظ”، وقسموه إلى ثلاثة أنواع: حرارة بسموم عُرفت بـ”مربعانية القيظ”، وحرارة بجفاف سُميت “ذبحة القيظ”، وحرارة برطوبة عُرفت بـ”جمرة القيظ”، وتقع هذه الفترات خلال أشهر يونيو/حزيران ويوليو/تموز وأغسطس/آب، وهي من أشد أشهر العام حرارة في معظم الدول العربية.

وعرفت الحضارة العربية أساليب متعددة للتهوية والتبريد، ودمجت هذه العناصر في تصميم المساكن بهدف توفير أكبر قدر ممكن من الراحة الحرارية للسكان.

ومن أبرز هذه الوسائل “ألواح الجالي”، التي حلت محل النوافذ في بعض المباني، وهي من عناصر الفن الإسلامي التي تجمع بين الوظيفة والجمال، وانتشرت من المغرب إلى الهند منذ بدايات القرن الثالث عشر.

وساعد تصميمها المزخرف على تعديل الضوء ومنع دخول أشعة الشمس والمطر، إلى جانب التأثير في حركة الهواء أثناء مروره عبر الثقوب الزخرفية.

ويمكن ملاحظة تأثير تضييق منفذ الهواء من خلال تجربة بسيطة: عند النفخ على ظهر اليد بفم مفتوح، ثم تكرار العملية مع ضم الشفتين كما لو كان الشخص يستعد للصفير، يمكن ملاحظة اختلاف الإحساس بدرجة حرارة الهواء الخارج.

ونظرًا إلى تعقيد تصميم ألواح الجالي واستخدام مواد مرتفعة الكلفة فيها، مثل الحجر والرخام، فقد انتشرت بصورة أكبر بين الأسر الثرية، ولا تزال نماذج منها حاضرة في معالم هندية شهيرة مثل تاج محل وهاوا محل، المعروف بـ”قصر الرياح”.

 الحصر والماء.. تبريد بسيط وفعال

في مقابل التقنيات المعمارية الأكثر تكلفة، اعتمدت الأسر العادية على الحصر المصنوعة من ألياف النباتات، مثل القصب والخوص، وكانت تبللها بالماء وتفرشها على الأرض لتخفيف الحرارة.

ولم تكن هذه الحصر مجرد غطاء مناسب للأرضيات خلال الصيف، بل كان الناس يقطرون الماء عليها للاستفادة من تبخره في خفض حرارة الهواء المحيط.

وعند تتبع تطور المدن والقرى في شبه الجزيرة العربية، يظهر أن النسيج الحضري كان متقاربًا ومحكمًا، فيما كانت المساحات المفتوحة محدودة، وهو تصميم أسهم في تعظيم عنصر بالغ الأهمية في مواجهة الحرارة، وهو الظل.

وكان توفير أكبر مساحة ممكنة من الظل في الأماكن العامة جزءًا أساسيًا من تصميم المدن، لأن التعرض المباشر لأشعة الشمس يجعل الحرارة أكثر قسوة.

جدران سميكة تعزل حرارة الخارج

داخل المباني، لعبت الجدران والأسقف دورًا محوريًا في ضبط الحرارة، إذ وصل سمك الجدران في بعض الأحيان إلى نحو 80 سنتيمترًا.

ولم تقتصر مكونات هذه الجدران على الطوب واللبن، بل شملت القش والحجر، وحتى المرجان في بعض المدن البحرية، وهي مواد تتمتع بخصائص عازلة تساعد على تأخير انتقال الحرارة من الخارج إلى المساحات المأهولة.

وفي المنشآت ذات الجدران الحجرية الأكثر سمكًا، مثل الحصون والقلاع، كانت الجدران قادرة على امتصاص كميات أكبر من الحرارة وإطلاقها ببطء.

ولهذا السبب، تضمنت بعض القصور القديمة والمنشآت الملكية والإستراتيجية قنوات مائية مخفية أو مكشوفة، بهدف تحسين تبديد الحرارة داخل الجدران السميكة، إذ يسهم تدفق المياه في سحب الحرارة والمساعدة على إبقاء الجدران أكثر برودة.

كما استُخدمت الأخشاب في الأسقف لما تتمتع به من مرونة في مقاومة الهزات الأرضية، فيما استُخدمت مواد عضوية ملائمة للبيئة، مثل الطين، لعزل الأسقف والجدران والحفاظ على برودة المنزل صيفًا ودفئه شتاءً.

المشربيات والرواشين.. جمال ووظيفة

تميزت العمارة العربية والإسلامية أيضًا بوجود أجزاء خشبية بارزة في المباني عُرفت باسم “المشربيات” أو “الرواشين”، واستمر استخدامها منذ العصر العباسي حتى أوائل القرن العشرين.

ولا تزال نماذج منها حاضرة في الأحياء الشعبية القديمة بمصر، وفي مدينة جدة التاريخية، وبيوت مكة المكرمة والمدينة المنورة القديمة في السعودية.

ويذكر الدكتور ثروت متولي خليل، الأستاذ بكلية الفنون التطبيقية في جامعة حلوان المصرية، في دراسة بعنوان “المشربيات والرواشين وأثرهما على الفراغ الداخلي”، أن هذه العناصر، فضلًا عن قيمتها الفنية، أدت وظيفة تتجاوز الحفاظ على خصوصية سكان المنزل إلى التحكم بحركة الهواء بين الداخل والخارج، وأسهمت في توفير بيئة داخلية أكثر راحة رغم ارتفاع درجات الحرارة.

 الآبار المدرجة.. ملاذ من الحرارة

ظهرت الآبار المدرجة في المناطق القاحلة وسيلةً لاستخراج المياه وتخزينها على مدار العام، وتميزت بهندستها المعمارية اللافتة، إذ تتكون من سلالم تنحدر نحو بئر يمتد إلى عمق عدة طوابق.

وكان لهذه الآبار مناخ محلي خاص، إذ تكون المنطقة السفلية القريبة من خزان المياه أبرد بعدة درجات مقارنة بالسطح، كما يساعد تصميمها على الحد من فقدان المياه بسبب التبخر وحمايتها من أشعة الشمس المباشرة.

ولذلك، تحولت بعض الآبار المدرجة إلى أماكن للتجمع الاجتماعي، إذ لم توفر المياه فحسب، بل وفرت أيضًا ملاذًا من الحرارة الشديدة في المناطق القاحلة وشبه القاحلة.

 الملاقف.. “مكيفات” تعمل بالرياح

في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية خصوصًا، كانت درجات الحرارة شديدة خلال أشهر الصيف منذ القدم، لكن السكان طوروا وسائل مختلفة للتكيف مع البيئة القاسية.

ومع غياب أجهزة التكييف والمراوح الكهربائية، أخذ المهندسون والبناؤون الظروف المناخية في الحسبان عند اختيار مواقع المباني وأشكالها والمواد المستخدمة في تشييدها.

ومن هنا ظهرت وسائل أكثر تطورًا لاقتناص الرياح وتوجيهها إلى داخل المنازل، بدلًا من الاعتماد على فتح الأبواب والنوافذ وحدها.

وكانت الملاقف الهوائية، أو أبراج الرياح، من أبرز العناصر المعمارية المستخدمة لهذا الغرض، وأدت دورًا فعالًا في تهوية الأبنية وتلطيف أجوائها، ولا سيما في المناطق الحارة.

كيف يعمل الملقف الهوائي؟

الملقف عبارة عن مهوى يقع في أعلى المبنى، ويضم فتحات موجهة نحو اتجاه هبوب الرياح، مهمتها التقاط الهواء المار فوق المبنى وتوجيهه إلى الداخل.

وعندما يدخل الهواء الأكثر برودة، يتدفق أسفل الهواء الدافئ، فيما يدفع اختلاف الضغط الهواء الساخن إلى الأعلى ليخرج عبر فتحة أو برج في الجهة المقابلة.

ويقول المؤرخ السوري الراحل خير الدين الأسدي في كتابه “موسوعة حلب المقارنة” إن ملقف الهواء عبارة عن مسرب هوائي موجه خارج المنزل إلى الغرب، يحدث جريانًا للهواء داخل الغرفة لتلطيف حرارة الصيف، وبذلك يقلل الحاجة إلى النوافذ التقليدية لتوفير حركة الهواء والتهوية.

 من “البادهنج” إلى “البارجيل”

تعددت أسماء هذا العنصر المعماري، فعُرف باسم “البادنج” و”البادهنج”، كما أطلق عليه “البادگير” و”الكشتيل” و”البارجيل”.

لكن المعماري المصري حسن فتحي ميز بين الملقف والبادهنج؛ فالملقف يمتلك فتحة موجهة إلى داخل المبنى، بينما يتخذ البادهنج شكلًا برجيًا ويضم أكثر من فتحة تسمح باقتناص الهواء من اتجاهات مختلفة.

وكان شكل برج الرياح وارتفاعه واتجاهه وعدد فتحاته وتقسيماته الداخلية يخضع لتصميم يهدف إلى رفع كفاءته في التقاط الهواء.

فقد تكون الأبراج أحادية الاتجاه أو مزدوجة الاتجاه، فيما تضم أنواع أخرى أربعة مداخل موزعة على الاتجاهات الأساسية.

وتنوعت أشكال الملاقف بين المكعب ومتوازي المستطيلات والأسطواني، إلى جانب أشكال مخروطية وحائطية ومثلثة.

وظهر النوع المثلث في بغداد وحلب قبل انتشار المنازل الإسمنتية، وهو بناء مجوف صغير يُشيد فوق سطح المنزل، ويُفتح من جهة الشرق، ثم يرتبط بمجرى داخلي يمتد نحو السرداب.

حسابات دقيقة لاقتناص الرياح

لم تكن عملية إنشاء الملاقف عشوائية، بل تشير بعض المخطوطات العربية إلى استخدام حسابات دقيقة لتحديد موقع الملقف واتجاهه بحيث يكون قادرًا على مواجهة الرياح والاستفادة منها.

ومن هذه المخطوطات رسالة بعنوان “تحفة الأحباب في نصب البادهنج والمحراب”، لعالم الفلك والرياضيات والفرائض أبي العباس شهاب الدين المجدي، التي هدفت إلى مساعدة البنائين على تحديد اتجاه الرياح أو سمت القبلة.

وتكشف هذه الوسائل مجتمعة أن مواجهة حرارة الصيف قبل ظهور أجهزة التكييف لم تعتمد على حل واحد، بل على منظومة من الخبرات المتراكمة التي وظفت الماء والهواء والظل ومواد البناء وتصميم المدن والمنازل للتكيف مع المناخ الحار.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات