الوضع الداكن
منوعات - آثار المجاعة تمتد عبر الأجيال
نشر بتاريخ 2025/08/04 10:22 مساءً
73 مشاهدة
آثار-المجاعة

آثار المجاعة تتخطى حدود الجوع الآني وتمتد لأجيال قادمة

في قطاع غزة، لا تمر المجاعة مرورًا عابرًا، بل تتصاعد على نحو أسّي، حتى وُصفت بأنها “الأسوأ في العالم”. لكن ما هو أسوأ من الجوع، هو ما تتركه هذه الكارثة من آثار قد لا تزول بمجرد الشبع.

 


تابعونا على التليكرام


شتاء الجوع الهولندي… بداية الفهم

في الحرب العالمية الثانية، عاشت هولندا فترة تعرف بـ”شتاء الجوع”، عندما انخفضت إمدادات الغذاء بشكل كارثي. وحينما كبر الأطفال الذين وُلدوا خلال تلك الفترة، كشفت الدراسات أنهم أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب والسكري واضطرابات نفسية. هذه لم تكن مجرد مصادفة، بل نتيجة مباشرة لما يعرف اليوم بـ آثار المجاعة.

ذاكرة الجينات: أثر لا يُمحى

حيثما كان يعتقد سابقًا أن الجينات تنتقل ثابتة، أصبح العلماء يدركون أن للجوع القدرة على ترك “بصمة بيولوجية”. فعندما تعاني الأم من المجاعة، قد تنقل عبر جيناتها إشارات وراثية إلى الجنين. هذه التعديلات الجينية لا تغيّر تسلسل الحمض النووي، لكنها تغيّر من طريقة عمل الجينات، فيما يعرف بالتعبير الجيني.

على سبيل المثال، إذا كان الجوع مزمنًا، فقد تغيّر هذه البصمات طريقة الجسم في التعامل مع الدهون أو السكر أو حتى التوتر، مما يجعل الأجيال القادمة تتأقلم وكأنها في “حالة طوارئ غذائية” دائمة.

علم الوراثة فوق الجينية… ما بعد الجينات

من ناحية أخرى، أظهر “علم التخلق” أو “الوراثة فوق الجينية” كيف يمكن للمجاعة أن تغيّر آلية عمل الجينات عبر آليات مثل “مثيلة الحمض النووي”، وهي عمليات كيميائية تغلق بعض الجينات أو تفعّلها دون تعديل تركيبها الأصلي. هكذا تنشأ تغيرات قد تنتقل من جيل إلى آخر، دون أن يشعر بها الجيل اللاحق بوجود المجاعة نفسها.

آثار المجاعة تمتد إلى الدماغ والمناعة

أظهرت دراسات أجريت على الفئران أن سوء التغذية في فترة الحمل يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات سلوكية وقلق في الأبناء وحتى الأحفاد. كما أن آثار المجاعة قد تؤثر على الجهاز المناعي، فتترك سلالة كاملة أضعف في مواجهة الأمراض.

وفي تجارب أجراها باحثون في تكساس عام 2017، تم ملاحظة أن الفئران التي مرت بثلاث فترات مجاعة متقطعة أصبحت تتعامل مع فترات الجوع بطريقة مختلفة، حيث احتفظت بالدهون وخفضت من حرارة الجسم وسكر الدم بشكل تلقائي. هذه التعديلات لم تكن آنية، بل دليل على أن أجسامها تعلّمت كيف تحمي نفسها من المجاعة المقبلة.

الجوع لا يرحل بسهولة

كما تشير كل هذه النتائج إلى أن المجاعة ليست فقط انقطاعًا في الطعام، بل حدثًا بيولوجيًا يترك أثرًا عميقًا في الجسد والعقل. آثار المجاعة لا تقتصر على وقت وقوعها، بل تمتد عبر الذاكرة الجينية، فتصبح جزءًا من تكوين الإنسان، تتردد في خلاياه وتورّث لأبنائه.

 

في النهاية، لا يمكن التعامل مع الجوع على أنه ظرف طارئ فقط، بل يجب أن يفهم كعامل يشكّل المجتمعات على المدى الطويل، ويعيد رسم مصير أجيال كاملة حتى بعد أن تختفي صفوف الخبز الفارغة.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات