كشفت دراسات علمية عن فوائد محتملة للكافيين تتجاوز تعزيز اليقظة والتركيز، إذ توصل باحثون بريطانيون إلى آلية خلوية قد تسهم في إبطاء الشيخوخة، فيما ربطت دراسة أميركية واسعة بين تناول القهوة المحتوية على الكافيين وانخفاض خطر الإصابة بالخرف بنسبة 18%.
وتشير النتائج إلى أن القهوة، التي تشكل جزءًا أساسيًا من الروتين الصباحي لملايين الأشخاص حول العالم، قد تؤدي دورًا في دعم صحة الخلايا والدماغ، رغم أن الأدلة المتاحة لا تثبت أن شربها يطيل عمر الإنسان مباشرة.
يبدأ ملايين الأشخاص يومهم بفنجان من القهوة، حتى أصبحت عبارة «لكن أولًا، القهوة» شعارًا مألوفًا يعكس ارتباط هذا المشروب بالحياة اليومية.
وبحسب دراسة أُجريت عام 2025، يستهلك نحو 70% من الأميركيين مشروبًا واحدًا على الأقل يحتوي على الكافيين يوميًا.
لكن ما كان يُنظر إليه بوصفه وسيلة للتغلب على النعاس وزيادة النشاط، بات محور أبحاث علمية تستكشف علاقته بالشيخوخة وصحة الدماغ.
فقد كشفت دراسة نُشرت في مجلة «Microbial Cell» العلمية عام 2025 عن آلية بيولوجية يمكن من خلالها للكافيين التأثير في العمليات المرتبطة بتقدم الخلايا في العمر.
يُعد الكافيين من المنبهات الطبيعية الموجودة في القهوة والشاي والشوكولاتة، فضلًا عن بعض المشروبات الغازية وأنواع العلكة.
ويمتص الجسم الكافيين سريعًا عبر الجهاز الهضمي، قبل أن يُستقلب في الكبد، فيما يؤثر في مستقبلات داخل الدماغ ترتبط بالنوم واليقظة والوظائف الإدراكية.
ولفهم تأثيراته على المستوى الخلوي، استعان باحثون من جامعة كوين ماري في لندن بخلايا الخميرة، وهي كائنات وحيدة الخلية تشترك مع الإنسان في عدد من الآليات الأساسية المسؤولة عن تنظيم النمو والتمثيل الغذائي وانقسام الخلايا.
توصل الفريق البحثي إلى أن الكافيين يؤثر في نظام خلوي يُعرف باسم «AMPK»، الذي يُلقب بـ«حارس الأيض»، لدوره في الحفاظ على توازن الطاقة داخل الخلايا.
وكان الباحثون قد اكتشفوا سابقًا أن الكافيين يؤثر في معقد بروتيني يُعرف باسم «TORC1»، المسؤول عن تنظيم نمو الخلايا وفقًا لمستويات الطاقة والمغذيات المتاحة.
إلا أن الدراسة الجديدة أظهرت أن الكافيين لا يؤثر في هذا المعقد بصورة مباشرة كما كان يُعتقد، بل يعمل عبر تنشيط نظام «AMPK»، الموجود لدى الإنسان والخميرة على حد سواء.
وأوضح الدكتور خارالامبوس راليس، الباحث المشرف على الدراسة، أن هذا النظام يساعد الخلايا على التكيف عندما تنخفض مستويات الطاقة لديها.
تشير نتائج الدراسة إلى أن تأثير الكافيين في نظام «AMPK» قد يكون مهمًا لفهم الآليات المرتبطة بطول عمر الخلايا.
ويشارك هذا النظام في تنظيم نمو الخلايا واستجابتها للإجهاد وإصلاح الحمض النووي، وهي عمليات بيولوجية ترتبط بالتقدم في العمر.
وقال الباحث جون باتريك ألاو إن النتائج تفتح آفاقًا جديدة أمام الدراسات المستقبلية لاستكشاف إمكانية تنشيط هذه الآليات بصورة أكثر مباشرة، سواء عبر النظام الغذائي أو تغييرات نمط الحياة أو تطوير أدوية جديدة.
ومع ذلك، فإن الدراسة أُجريت على خلايا الخميرة، ما يعني أن نتائجها لا تكفي لإثبات قدرة الكافيين على إطالة عمر الإنسان.
لم تقتصر النتائج الإيجابية المحتملة للكافيين على أبحاث الشيخوخة الخلوية، إذ كشفت دراسة أجراها باحثون من جامعة هارفارد ومؤسسات بحثية أميركية، ونُشرت في مجلة «JAMA» في فبراير/شباط 2026، عن ارتباط تناول القهوة بانخفاض خطر الإصابة بالخرف.
وحلّل الباحثون بيانات 131 ألفًا و821 مشاركًا، امتدت متابعة بعضهم إلى 43 عامًا، وسُجلت خلال الدراسة 11 ألفًا و33 إصابة بالخرف.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الأكثر استهلاكًا للقهوة المحتوية على الكافيين كانوا أقل عرضة للإصابة بالخرف بنسبة 18% مقارنة بالأشخاص الأقل استهلاكًا لها.
كما رُصدت نتائج إيجابية مماثلة لدى الأشخاص الذين يتناولون الشاي بانتظام، وبرزت الفوائد الإدراكية لدى من يشربون فنجانين إلى ثلاثة فناجين من القهوة يوميًا، أو فنجانًا إلى فنجانين من الشاي.
لكن الباحثين أكدوا أن الدراسة رصدية، ولا تثبت أن الكافيين هو السبب المباشر في انخفاض خطر الخرف.
أظهرت الدراسة أن القهوة منزوعة الكافيين لم ترتبط بانخفاض ملحوظ في خطر الإصابة بالخرف، على عكس القهوة العادية والشاي.
ويشير هذا الاختلاف إلى احتمال أن يكون الكافيين أحد العوامل المسؤولة عن التأثيرات الإيجابية المرتبطة بصحة الدماغ، لكن الأمر يحتاج إلى مزيد من الأبحاث لتحديد الآليات الدقيقة.
وتشير دراسات سابقة أيضًا إلى احتمال ارتباط الكافيين بتأخير ظهور مرض باركنسون، دون توافر أدلة حاسمة تؤكد هذا التأثير.
تتجاوز التأثيرات المحتملة للكافيين صحة الدماغ والشيخوخة، إذ تشير أبحاث أخرى إلى أنه قد يساعد على تحسين المزاج عند تناوله بكميات منخفضة.
وبحسب خبراء من الجمعية الطبية الأميركية، قد يسهم الكافيين في تخفيف بعض أعراض الاكتئاب، من خلال تأثيره في نشاط الدوبامين المرتبط بالمكافأة والشعور بالمتعة.
ومع ذلك، لا يُعد الكافيين بديلًا عن العلاجات الطبية المخصصة للاكتئاب أو الاضطرابات النفسية.
رغم الفوائد المحتملة، يحذر الأطباء من الإفراط في استهلاك الكافيين، لا سيما من خلال بعض مشروبات الطاقة التي قد تحتوي على تركيزات مرتفعة منه.
وقد يؤدي الإفراط في تناوله إلى خفقان القلب واضطرابات النوم وأعراض أخرى، خصوصًا لدى الأشخاص الأكثر حساسية للكافيين والمراهقين.
ويحتوي فنجان القهوة الاعتيادي على نحو 95 ملغ من الكافيين، مع اختلاف الكمية بحسب الحجم وطريقة التحضير، فيما قد تحتوي بعض مشروبات الطاقة على كميات أعلى بكثير.
وتشير إدارة الغذاء والدواء الأميركية إلى أن استهلاك ما يصل إلى 400 ملغ من الكافيين يوميًا لا يرتبط عمومًا بآثار سلبية لدى معظم البالغين الأصحاء، مع اختلاف القدرة على تحمله من شخص إلى آخر.
تفتح الدراسات الحديثة الباب أمام فهم أعمق لدور الكافيين في العمليات البيولوجية المرتبطة بالشيخوخة وصحة الدماغ، وتمنح عشاق القهوة أسبابًا إضافية للاهتمام بمشروبهم المفضل.
لكن العلماء يشددون على ضرورة التمييز بين النتائج المختبرية والعلاقات الإحصائية وبين إثبات الفوائد الصحية المباشرة لدى البشر.
وبين الفوائد المحتملة ومخاطر الإفراط، يبقى الاعتدال العامل الأهم للاستمتاع بالقهوة ضمن نمط حياة صحي ومتوازن.