الوضع الداكن
تاريخ - بحيرة نيوس.. كارثة غازية قتلت أكثر من 1700 شخص في الكاميرون
نشر بتاريخ 2026/10/26 3:38 مساءً
1 مشاهدة

في مشهد يبدو أقرب إلى أفلام الرعب، تحولت بحيرة هادئة تحيط بها القرى والمرتفعات الخضراء في الكاميرون إلى مصدر كارثة مروعة أودت بحياة أكثر من 1700 شخص خلال ليلة واحدة، دون أن يحتاج الضحايا إلى شرب مياهها أو حتى الاقتراب منها.


تابعونا على التليكرام 


ففي 21 أغسطس/آب 1986، شهدت بحيرة نيوس، الواقعة شمال غربي الكاميرون، ظاهرة طبيعية نادرة أطلقت خلالها كميات هائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون، لتندفع سحابة غير مرئية نحو القرى والوديان المحيطة، مخلفة واحدة من أغرب الكوارث الطبيعية في التاريخ الحديث.

ليلة الكارثة.. عندما خرج الموت من أعماق البحيرة

كانت الحياة تسير بصورة طبيعية في القرى المحيطة ببحيرة نيوس، قبل أن تتحول ليلة 21 أغسطس 1986 إلى مأساة لم يتوقعها السكان.

فقد تحدث بعض الناجين عن سماع صوت قوي بالقرب من البحيرة، أعقبه انبعاث غاز كثيف انتشر في المناطق المنخفضة المحيطة بها.

ولم تشهد المنطقة ثورانًا بركانيًا تقليديًا أو تدفقات من الحمم النارية، بل كان الخطر غازًا غير مرئي، لا يستطيع السكان التعرف عليه بسهولة.

واندفعت سحابة ثاني أكسيد الكربون نحو المناطق المجاورة، حيث تعرض السكان والحيوانات لتركيزات مرتفعة من الغاز، ما أدى إلى فقدان الوعي والاختناق.

ومع حلول الصباح، تكشفت أبعاد المأساة، إذ أودت الكارثة بحياة ما لا يقل عن 1700 شخص، إلى جانب نفوق نحو 3500 رأس من الماشية، فضلًا عن أعداد كبيرة من الحيوانات الأخرى.

كيف قتلت بحيرة هادئة آلاف الكائنات دون أن تفيض؟

أثار الحادث تساؤلات علمية محيرة بشأن قدرة بحيرة ساكنة على إحداث كارثة بهذا الحجم، رغم عدم حدوث فيضان أو ثوران بركاني مباشر.

وبدأ العلماء إجراء تحقيقات جيولوجية وكيميائية وطبية لفهم طبيعة الظاهرة، لتكشف الأدلة أن مصدر الخطر لم يكن مياه البحيرة نفسها، وإنما كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون تراكمت في أعماقها.

وتقع بحيرة نيوس داخل فوهة بركانية قديمة في منطقة ترتبط بنشاط جيولوجي عميق تحت سطح الأرض.

ويتسرب ثاني أكسيد الكربون من مصادر صهارية عميقة عبر الصخور والمياه الجوفية، ليصل إلى البحيرة ويذوب في طبقات المياه العميقة تحت تأثير الضغط المرتفع.

ومع مرور السنوات، تتراكم كميات كبيرة من الغاز المذاب، وتظل محصورة في الأعماق بفعل استقرار طبقات المياه واختلاف كثافتها.

لكن عندما تصعد المياه الغنية بالغاز إلى مستويات أقل ضغطًا، يمكن أن يتحرر ثاني أكسيد الكربون بسرعة، ما يؤدي إلى انبعاث غازي مفاجئ يُعرف علميًا باسم «الثوران البحيري» أو Limnic Eruption.

ولا يزال العامل الذي أطلق عملية التحرر المفاجئ للغاز في تلك الليلة غير محسوم بصورة قاطعة.

سحابة قاتلة زحفت نحو القرى والوديان

كانت خطورة الحادث مرتبطة بطبيعة ثاني أكسيد الكربون، الذي يكون أثقل من الهواء في الظروف المتماثلة، ما ساعد السحابة شديدة التركيز على التحرك قرب سطح الأرض والتجمع في المناطق المنخفضة.

ومع انتشار الغاز، أصبحت مستويات الأكسجين المتاحة للتنفس غير كافية في المناطق المتأثرة، إلى جانب التأثير المباشر لارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون في الجسم.

وأدى ذلك إلى فقدان الوعي والاختناق، بينما لم يتمكن كثير من الضحايا من إدراك مصدر الخطر أو الابتعاد عنه.

ووفقًا لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، اندفعت السحابة الغازية عبر بعض المناطق بسرعة تجاوزت 100 كيلومتر في الساعة، وهو ما ساعد على انتشارها خلال وقت قصير.

العلماء يكشفون سر البحيرة القاتلة

بعد الكارثة، أظهرت التحاليل العلمية أن الغاز المنبعث كان في معظمه ثاني أكسيد الكربون المخزن في المياه العميقة.

كما دعمت الفحوص الجيولوجية والكيميائية فرضية أن الغاز يعود إلى مصادر صهارية تحت سطح الأرض، وليس إلى ثوران بركاني مباشر وقع في ليلة الحادث.

ونُشرت نتائج بحثية مهمة عن الكارثة في مجلة Science عام 1987، أكدت ارتباط الوفيات بالاختناق الناتج عن انبعاث ثاني أكسيد الكربون، وساعدت على فهم طبيعة هذا النوع النادر من المخاطر الطبيعية.

كيف حاول العلماء منع تكرار المأساة؟

لم تنتهِ المخاوف بمجرد اكتشاف سبب الكارثة، إذ استمر ثاني أكسيد الكربون في الوصول إلى بحيرة نيوس من مصادره الطبيعية تحت الأرض، ما أثار احتمال تراكمه مجددًا.

ولمواجهة هذا الخطر، طور العلماء نظامًا يعتمد على تركيب أنابيب تمتد إلى أعماق البحيرة، وتسمح بصعود المياه المشبعة بالغاز نحو السطح.

وعندما تنخفض الضغوط على المياه الصاعدة، يتحرر الغاز بصورة أكثر انتظامًا، بدلًا من بقائه محصورًا حتى يصل إلى مستويات خطيرة.

وبدأت عملية إزالة الغاز بصورة منظمة في مارس/آذار 2001، وأسهمت في خفض كمية ثاني أكسيد الكربون المخزنة داخل البحيرة.

ومع ذلك، تظل المراقبة العلمية ضرورية بسبب استمرار وصول الغاز الطبيعي إلى المياه العميقة.

بحيرة نيوس.. كارثة غيّرت فهم العلماء للمخاطر الطبيعية

كشفت كارثة بحيرة نيوس أن الأخطار الطبيعية لا ترتبط دائمًا بالزلازل والبراكين والفيضانات المرئية، بل قد تنشأ من عمليات كيميائية وجيولوجية صامتة يصعب ملاحظتها قبل وقوعها.

وأصبحت المأساة مثالًا علميًا بارزًا على أهمية مراقبة البحيرات البركانية التي يمكن أن تختزن الغازات في أعماقها.

وبعد أربعة عقود تقريبًا على الكارثة، تظل بحيرة نيوس شاهدًا على ليلة تحولت فيها مياه ساكنة إلى مصدر لسحابة قاتلة، لتكشف أن بعض أخطر الظواهر الطبيعية قد تقع دون حمم بركانية أو انهيارات أرضية أو تحذيرات واضحة.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات