الوضع الداكن
تاريخ - سفينة سليمة وطاقم مفقود.. لغز “ماري سيليست” الذي بدأ عام 1872
نشر بتاريخ 2026/09/07 4:44 مساءً
2 مشاهدة

في الرابع من ديسمبر/كانون الأول 1872، كان طاقم السفينة “ديي غراسيا” يعبر المحيط الأطلسي باتجاه أوروبا، بعد أيام من مغادرته ميناء نيويورك، عندما ظهرت في الأفق سفينة شراعية تتحرك بطريقة غير مألوفة، بينما كان أحد أشرعتها يرفرف بلا انتظام في مهب الريح.

لم يكن المشهد عاديًا، وسرعان ما تحولت السفينة الغامضة إلى واحدة من أشهر القصص البحرية التي حيّرت المؤرخين والباحثين لأكثر من قرن.


تابعونا على التليكرام


وبحسب رواية نشرتها مجلة “لوبوان” الفرنسية، تعرّف قبطان “ديي غراسيا”، ديفيد ريد مورهاوس، على السفينة. كانت “ماري سيليست” التي غادرت الميناء نفسه قبله بنحو أسبوع بقيادة بنيامين سبونر بريغز.

لكن شيئًا واحدًا أثار القلق فورًا: لم يكن هناك أحد عند دفة القيادة.

سفينة بلا بشر

أمر مورهاوس بالاقتراب من “ماري سيليست”، وصعد ثلاثة من بحارة “ديي غراسيا” على متنها لتفتيشها.

لم يعثر الرجال على أي شخص، فيما لاحظوا أن وضع بعض الأشرعة لم يكن جيدًا، وأن بعض الحبال كانت مقطوعة، بينما كانت عجلة القيادة تدور من دون أن يمسك بها أحد.

الأغرب أن السفينة كانت تحتوي على مؤونة تكفي لنحو ستة أشهر، فضلًا عن كميات من مياه الشرب. وبدا أن كل شيء تقريبًا موجود على متنها باستثناء القبطان وطاقمه.

فأين ذهب الجميع؟

لم تكن السفينة على وشك الغرق، ولم يقدم سجل القبطان تفسيرًا واضحًا لما جرى.

ومع مواصلة البحث، تبيّن فقدان بعض أدوات الملاحة، إلى جانب عقد النقل البحري ودفتر الملاحة وقارب صغير.

وأثار غياب القارب احتمال أن يكون الطاقم قد استخدمه لمغادرة السفينة، لكن ذلك فتح الباب أمام السؤال الذي صنع لغز “ماري سيليست”: لماذا يغادر بحارة سفينتهم في عرض البحر بينما تبدو قادرة على مواصلة الإبحار؟

قرر مورهاوس وطاقمه في النهاية قيادة السفينة إلى جبل طارق للمطالبة بمكافأة الإنقاذ البحري.

ماضٍ غذّى أسطورة “السفينة الملعونة”

أظهر التحقيق اللاحق أن السفينة بُنيت عام 1860 وأبحرت في البداية تحت اسم “أمازون”.

ووفق الرواية التي نقلتها “لوبوان”، ارتبط تاريخها بسلسلة من الحوادث التي ساهمت لاحقًا في ظهور أسطورة “السفينة الملعونة”، قبل أن تحمل اسم “ماري سيليست”.

وفي عام 1872، أصبحت تحت قيادة بنيامين سبونر بريغز، البالغ من العمر 37 عامًا، والذي كان أيضًا شريكًا في ملكيتها.

وغادرت “ماري سيليست” نيويورك في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني متجهة إلى جنوة الإيطالية، وعلى متنها 1701 برميل من الكحول المحوّل غير الصالح للشرب.

ولم يُسجل وقوع حوادث استثنائية خلال الأسابيع الأولى من الرحلة، ليبقى السؤال: ماذا حدث بعد ذلك حتى اختفى كل من كان على متن السفينة؟

نظريات بين التمرد والجريمة

أنتج غموض الحادثة عشرات النظريات على مدار السنوات التالية، تراوحت بين محاولات التفسير المنطقي والفرضيات شديدة الغرابة.

إحدى النظريات افترضت أن أفراد الطاقم شربوا من شحنة الكحول ثم قتلوا القبطان وعائلته وفروا، لكن طبيعة الكحول المحمول على السفينة، باعتباره غير صالح للشرب، أضعفت هذه الفرضية.

وذهبت نظرية أخرى إلى احتمال وجود اتفاق مسبق بين بريغز ومورهاوس للحصول على مكافأة الإنقاذ، لكن امتلاك بريغز حصة في السفينة جعل هذه الفرضية موضع شك أيضًا.

كما ظهرت اتهامات لطاقم “ديي غراسيا” بالاستيلاء على السفينة وقتل من كانوا على متنها، من دون دليل حاسم يثبت ذلك.

أخطبوط وطبق طائر وفطر مهلوس!

ومع استمرار غياب الإجابة، أصبحت النظريات أكثر غرابة.

فقد تحدث البعض عن أخطبوط عملاق هاجم السفينة، بينما ذهبت روايات أخرى إلى الحديث عن اختطاف الطاقم بواسطة جسم طائر مجهول.

وظهرت أيضًا فرضية تفترض تلوث الطعام أو الماء بفطر مهلوس تسبب في سلوك غير طبيعي للطاقم، فيما تحدثت نظرية أخرى عن ظروف جوية عنيفة ربما دفعت البحارة إلى مغادرة السفينة.

لكن أياً من هذه الروايات لم يقدم تفسيرًا حاسمًا لمصير الأشخاص الذين اختفوا.

نهاية “ماري سيليست”

بعد وصول السفينة إلى جبل طارق، حصل رجال الإنقاذ من “ديي غراسيا” على جزء من قيمة السفينة وشحنتها المؤمن عليهما، بلغ بحسب الرواية نحو 7700 دولار آنذاك.

وعادت “ماري سيليست” لاحقًا إلى الخدمة، لكنها واصلت انتقالها بين ملاك مختلفين خلال السنوات التالية.

وفي الثالث من يناير/كانون الثاني 1885، انتهت رحلة السفينة نهائيًا بعدما تحطمت على شعاب مرجانية قرب هايتي.

أما لغز اختفاء طاقمها، فلم يحصل على إجابة قاطعة، لتتحول “ماري سيليست” إلى واحدة من أشهر حكايات السفن المهجورة في التاريخ البحري، وقصة غذّت على مدى عقود نظريات تتراوح بين الحوادث البحرية والجريمة والأساطير.

المصدر: مجلة “لوبوان” الفرنسية

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات