كشفت دراسة عالمية حديثة أن استبدال جزء من الصوديوم الموجود في ملح الطعام التقليدي بالبوتاسيوم قد يسهم في الوقاية من ملايين الإصابات بأمراض القلب والكلى والأوعية الدموية، ويمنع نحو 3 ملايين وفاة سنوياً، في خطوة غذائية بسيطة قد تحمل فوائد صحية واسعة.
تابعونا على التليكرام
وأظهرت الدراسة، التي أجراها باحثون في معهد جورج للصحة العالمية بأستراليا ونُشرت في مجلة «Nature Health»، أن التوسع في استخدام بدائل الملح منخفضة الصوديوم والغنية بالبوتاسيوم قد يمنع نحو 2.96 مليون وفاة سنوياً، وفق أحد السيناريوهات التي وضعها الباحثون لتقدير تأثير هذا التحول على الصحة العامة.
ما سر الملح الغني بالبوتاسيوم؟
تعتمد فكرة بدائل الملح الغنية بالبوتاسيوم على استبدال جزء من كلوريد الصوديوم، المكون الأساسي لملح الطعام التقليدي، بكلوريد البوتاسيوم، بهدف خفض استهلاك الصوديوم وزيادة مستويات البوتاسيوم في النظام الغذائي، دون إحداث تغيير كبير في مذاق الطعام.
وتوضح الباحثة الرئيسية في الدراسة، ليبينغ «بولي» هوانغ، أن الإفراط في استهلاك الصوديوم، بالتزامن مع انخفاض تناول البوتاسيوم، يسهم في ارتفاع ضغط الدم، الذي يُعد من أبرز عوامل الخطر للإصابة بأمراض القلب والكلى.
وتشير هوانغ إلى أن الأنظمة الغذائية الحديثة غالباً ما تحتوي على كميات مرتفعة من الصوديوم مقابل مستويات غير كافية من البوتاسيوم، في وقت لم تحقق فيه حملات التوعية الرامية إلى تقليل استهلاك الملح النتائج المرجوة بالسرعة المطلوبة، بسبب صعوبة تغيير العادات الغذائية المتجذرة لدى الأفراد.
تجارب سريرية تدعم فوائد بدائل الملح
تستند الدراسة إلى نتائج تجارب سريرية سابقة، من أبرزها تجربة «SSaSS» التي أُجريت في المناطق الريفية بالصين خلال الفترة الممتدة بين عامي 2013 و2020.
وأظهرت نتائج التجربة أن استخدام بديل الملح الغني بالبوتاسيوم ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة 14%، والأحداث القلبية الوعائية الكبرى بنسبة 13%، إلى جانب انخفاض الوفيات الناجمة عن جميع الأسباب بنسبة 12%.
وتدعم هذه النتائج إمكانية الاستفادة من بدائل الملح في تقليل المخاطر الصحية المرتبطة بارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية.
دراسة شملت 193 دولة.. ملايين الوفيات يمكن تجنبها
حلّل الباحثون بيانات صحية وغذائية من 193 دولة، واعتمدوا عدة سيناريوهات لتقدير التأثير المحتمل لاستبدال الملح التقليدي ببدائل غنية بالبوتاسيوم على صحة البالغين.
وأظهرت التقديرات أن استخدام هذه البدائل داخل المنازل وحدها قد يسهم في منع نحو 6.19 مليون حالة مرضية مرتبطة بالقلب والكلى، فضلاً عن تجنب نحو 1.85 مليون وفاة سنوياً.
وتشير هذه النتائج إلى أن تغيير نوع الملح المستخدم في إعداد الطعام قد يشكل أحد التدخلات الغذائية المؤثرة في الصحة العامة، خصوصاً لدى المجتمعات التي تسجل مستويات مرتفعة من استهلاك الصوديوم.
المطاعم والأطعمة المصنعة ضمن خطط تقليل الصوديوم
لم تقتصر الدراسة على استخدام الملح داخل المنازل، بل تناولت أيضاً تأثير استبداله في المطاعم والأطعمة المصنعة والمنتجات الغذائية الجاهزة.
ووفق تقديرات الباحثين، فإن التركيز على هذه المصادر قد يؤدي إلى منع نحو 5.46 مليون حالة مرضية، وتجنب نحو 1.56 مليون وفاة سنوياً.
أما في السيناريو الأكثر شمولاً، الذي يجمع بين استبدال الملح في المنازل والمطاعم والمنتجات الغذائية، فقد ترتفع الفوائد المحتملة إلى منع 10.17 مليون حالة مرضية، وتجنب نحو 2.96 مليون وفاة سنوياً.
وتؤكد هذه التقديرات أن توسيع استخدام بدائل الملح عبر مختلف مصادر الغذاء قد يحقق فوائد أكبر مقارنة بالاكتفاء بتغيير الملح المستخدم في الطهي المنزلي.
من الأكثر استفادة من استبدال ملح الطعام؟
يرجح الباحثون أن يستفيد من بدائل الملح الغنية بالبوتاسيوم بصورة أكبر الأشخاص المصابون بارتفاع ضغط الدم، أو المعرضون لخطر الإصابة بأمراض القلب والكلى، فضلاً عن الذين يستهلكون كميات مرتفعة من الملح يومياً.
وتوضح هوانغ أن أهمية تقليل الصوديوم وزيادة البوتاسيوم لا تقتصر على كبار السن أو المصابين بارتفاع ضغط الدم، إذ يميل ضغط الدم إلى الارتفاع تدريجياً مع التقدم في العمر، ما يجعل تحسين العادات الغذائية في سن مبكرة خطوة داعمة لصحة القلب على المدى الطويل.
من جانبها، ترى اختصاصية التغذية ميشيل روثنستين، التي لم تشارك في الدراسة، أن الأشخاص الذين يستخدمون كميات كبيرة من الملح خلال الطهي أو يضيفونه مباشرة إلى الطعام قد يحققون استفادة أكبر من هذا التغيير، شرط عدم وجود حالات صحية تمنع زيادة استهلاك البوتاسيوم.
تحذير طبي.. بدائل الملح ليست آمنة للجميع
رغم الفوائد المحتملة لبدائل الملح الغنية بالبوتاسيوم، يحذر المختصون من استخدامها دون استشارة طبية لدى بعض الفئات، خصوصاً المصابين بأمراض الكلى المتقدمة أو الذين يتناولون أدوية قد تؤثر في مستويات البوتاسيوم في الدم.
وتكمن الخطورة في أن الكلى تؤدي دوراً أساسياً في التخلص من البوتاسيوم الزائد، وعندما تتراجع وظائفها قد يتراكم هذا العنصر في الدم، ما يؤدي إلى حالة تُعرف باسم «فرط بوتاسيوم الدم».
وقد تتسبب هذه الحالة في اضطرابات خطيرة في نظم القلب، ما يستدعي الحذر قبل استخدام بدائل الملح لدى الفئات الأكثر عرضة لهذه المضاعفات.
وتشمل الأدوية التي تستدعي الانتباه ليسينوبريل ولوسارتان وسبيرونولاكتون وإنتريستو، إذ قد تؤدي إلى ارتفاع مستويات البوتاسيوم، ما يجعل الجمع بينها وبين بدائل الملح الغنية بهذا العنصر بحاجة إلى تقييم طبي.
هل يكفي تغيير نوع الملح لحماية القلب؟
تؤكد اختصاصية التغذية ميشيل روثنستين أن بدائل الملح الغنية بالبوتاسيوم لا تكون خالية تماماً من الصوديوم، وبالتالي فإن استخدامها لا يعني إمكانية إضافتها إلى الطعام دون قيود.
وتوضح أن نسبة كبيرة من الصوديوم المستهلك يومياً لا تأتي من الملح المضاف أثناء الطهي فقط، بل من الأطعمة المعلبة والوجبات الجاهزة والمطاعم والصلصات.
ولذلك، فإن دعم صحة القلب يتطلب اتباع مجموعة من العادات الغذائية المتكاملة، تشمل الحد من استهلاك المنتجات المرتفعة بالصوديوم، وزيادة تناول الأطعمة الطبيعية الغنية بالبوتاسيوم، مثل العدس والشمام والكيوي وفول الإدامامي، إلى جانب الالتزام بنظام غذائي متوازن.
نتائج قد تسهم في تغيير السياسات الغذائية عالمياً
تأمل الباحثة هوانغ أن تسهم نتائج الدراسة في تطوير سياسات غذائية أكثر فاعلية للحد من الأمراض المرتبطة بالإفراط في استهلاك الصوديوم.
وترى أن جعل بدائل الملح الغنية بالبوتاسيوم متاحة على نطاق أوسع قد يشكل خطوة مهمة لتحسين الصحة العامة، شريطة مراعاة الأشخاص الذين قد يتعرضون لمخاطر صحية نتيجة زيادة مستويات البوتاسيوم.
وتسلط الدراسة الضوء على إمكانية تحقيق فوائد صحية كبيرة عبر تغييرات غذائية محدودة، مع التأكيد أن الأرقام الواردة تمثل تقديرات قائمة على نماذج بحثية وسيناريوهات افتراضية، وليست وفيات جرى منعها بالفعل.

