منذ اللحظة الأولى في رحم الأم وحتى النفس الأخير، لا يتوقف القلب عن العمل. لا يأخذ إجازة ولا يطلب استراحة، بل يواصل النبض بصمت، دافعًا الدم والحياة إلى كل خلية في الجسم. ومع ذلك، فإن معظم الناس لا يلتفتون إليه إلا عندما يتعثر.
لا يتحدث القلب بالكلمات، لكنه يمتلك لغة خاصة؛ فنبضة متسارعة قد تشير إلى القلق أو الإجهاد، وخفقان مفاجئ قد يستدعي الانتباه، وألم الصدر قد يكون أول جرس إنذار حقيقي. والمشكلة أن هذه الرسائل قد تكون خافتة أو متأخرة أو تتخفى خلف أعراض أخرى، ما قد يؤدي إلى ضياع وقت ثمين كان من الممكن أن يغيّر مسار المرض.
تابعونا على التليكرام
مضخة صغيرة بحسابات دقيقة
لا يتجاوز حجم القلب قبضة اليد تقريبًا، ويقع في منتصف الصدر مع ميل بسيط نحو الجهة اليسرى، محميًا خلف القفص الصدري. ورغم صغر حجمه، فإنه عضو بالغ التعقيد يتكون من أربع حجرات: أذينين يستقبلان الدم، وبطينين يضخان الدم إلى الرئتين وبقية أنحاء الجسم.
وتفصل بين هذه الحجرات أربعة صمامات تعمل كأبواب أحادية الاتجاه، تسمح بمرور الدم إلى الأمام وتمنع ارتداده، بما يحافظ على كفاءة الضخ وانتظام الدورة الدموية.
ولا يعتمد القلب على العضلات وحدها، بل يمتلك نظامًا كهربائيًا داخليًا يبدأ من العقدة الجيبية الأذينية، وهي المولد الطبيعي للنبض، ثم تنتقل الإشارة إلى العقدة الأذينية البطينية وألياف التوصيل، لتضمن انقباض حجرات القلب بتسلسل دقيق ومنتظم.
وتكمن المفارقة في أن هذه المضخة التي تغذي الجسم كله تحتاج هي الأخرى إلى تغذية مستمرة عبر الشرايين التاجية التي تلتف حول عضلة القلب وتزودها بالأكسجين والغذاء، وأي خلل فيها يقف غالبًا وراء أخطر أمراض القلب.
كيف يمرض القلب؟
رغم دقة تصميم القلب، فإنه ليس بمنأى عن المرض. فالسنوات الطويلة من التعرض لعوامل الخطر قد تحول هذا العضو المنظم إلى عضو مرهق يعاني بصمت قبل أن يعلن مرضه فجأة.
وتبدأ القصة غالبًا مع تصلب الشرايين، وهي عملية قد تستمر سنوات دون أعراض. ففي البداية تتضرر البطانة الداخلية للشريان نتيجة ارتفاع ضغط الدم أو الكوليسترول الضار أو التدخين أو السكري، ثم تتراكم الترسبات الدهنية داخل جدار الشريان لتشكل اللويحات العصيدية التي تضيق مجرى الدم تدريجيًا.
وهناك عوامل لا يمكن تغييرها، مثل التقدم في العمر، والتاريخ العائلي للإصابة المبكرة بأمراض القلب، وبعض الفروق المرتبطة بالجنس. فالنساء قبل سن اليأس يتمتعن عادة بحماية نسبية بفضل هرمون الإستروجين، لكن هذه الحماية تتراجع بعد انقطاع الطمث.
ورغم وجود عوامل لا يمكن التحكم بها، فإن السيطرة على العوامل القابلة للتعديل تبقى الوسيلة الأكثر فاعلية للحد من خطر الإصابة.
الجلطة القلبية.. ليست مجرد انسداد تدريجي
يعتقد كثيرون أن الجلطة القلبية تحدث نتيجة انسداد تدريجي للشريان حتى يغلق بالكامل، لكن الواقع أن كثيرًا من الجلطات تنجم عن تمزق مفاجئ في لويحة عصيدية غير مستقرة، ما يؤدي إلى تكوّن جلطة تسد الشريان بشكل حاد وتمنع وصول الدم إلى جزء من عضلة القلب.
لذلك لا يكفي انتظار ظهور الأعراض، بل تبقى الوقاية عبر ضبط ضغط الدم والكوليسترول والسكر، والإقلاع عن التدخين، وإجراء الفحوصات الدورية، أفضل وسيلة للكشف المبكر وتقليل احتمالات الإصابة.
أمراض القلب.. وجوه متعددة
لا تقتصر أمراض القلب على حالة واحدة، بل تشمل مجموعة واسعة من الأمراض التي قد تصيب الشرايين أو الصمامات أو النظام الكهربائي للقلب أو عضلته.
ويعد مرض الشرايين التاجية الأكثر شيوعًا، إذ ينجم عن تضيق أو انسداد الشرايين المغذية لعضلة القلب، ويزداد خطر الإصابة به مع التدخين، والسكري، وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكوليسترول، والسمنة، والخمول البدني، والتاريخ العائلي.
الذبحة الصدرية واحتشاء عضلة القلب
غالبًا ما توصف الذبحة الصدرية بأنها شعور بالضغط أو الثقل أو الانقباض في منتصف الصدر، وقد يمتد الألم إلى الذراع اليسرى أو الفك السفلي أو الظهر، ويظهر عادة مع المجهود أو الانفعال ثم يخف بالراحة أو العلاج، وهو إنذار مبكر يستوجب التدخل قبل حدوث الاحتشاء.
أما احتشاء عضلة القلب فيحدث عندما ينسد أحد الشرايين التاجية بشكل كامل، فتبدأ خلايا عضلة القلب بالموت تدريجيًا بسبب نقص الأكسجين، ولذلك يردد أطباء القلب عبارة: “الوقت يعني عضلة قلب”.
وتشمل أعراض الاحتشاء ألمًا شديدًا أو ضغطًا في الصدر يمتد أحيانًا إلى الذراع أو الفك، ويرافقه ضيق في التنفس أو تعرق بارد أو غثيان أو دوخة، وهي أعراض تستوجب التوجه الفوري إلى قسم الطوارئ.
ولا تظهر الصورة التقليدية دائمًا، خاصة لدى النساء، إذ قد تكون الأعراض أقل وضوحًا، مثل الإرهاق الشديد أو الغثيان أو ألم الفك أو الظهر دون ألم صدري واضح، ما قد يؤدي إلى تأخر التشخيص.
كما ينبغي التمييز بين احتشاء عضلة القلب والسكتة القلبية المفاجئة؛ فالاحتشاء يحدث بسبب انسداد شريان، بينما تنتج السكتة القلبية عن اضطراب كهربائي حاد يوقف القلب عن الانقباض، وهي حالة إسعافية تتطلب الإنعاش القلبي الرئوي واستخدام جهاز الصدمة الكهربائية إن توفر.
قصور القلب واضطرابات النظم
قصور القلب لا يعني توقف القلب عن العمل، وإنما يعني فقدانه القدرة على ضخ الدم بالكفاءة التي يحتاجها الجسم. وقد يحدث بعد احتشاء سابق أو نتيجة ارتفاع ضغط الدم أو أمراض الصمامات أو اعتلال عضلة القلب.
وتشمل أعراضه ضيق النفس، خاصة أثناء المجهود أو عند الاستلقاء، وتورم الساقين والكاحلين، والإرهاق المستمر، وزيادة الوزن السريعة بسبب احتباس السوائل.
وشهد علاج قصور القلب تطورات مهمة خلال السنوات الأخيرة، أبرزها استخدام مثبطات SGLT2 التي أثبتت فعاليتها في خفض معدلات الوفيات لدى فئات من المرضى.
أما اضطرابات نظم القلب فقد تظهر على شكل خفقان أو تسارع أو بطء شديد في النبض أو دوخة أو إغماء. ويعد الرجفان الأذيني من أكثرها شيوعًا، إذ يزيد خطر تشكل الخثرات التي قد تنتقل إلى الدماغ مسببة سكتة دماغية إذا لم تُشخّص الحالة وتعالج بالشكل المناسب.
ارتفاع الضغط والسكري والكوليسترول
يُعرف ارتفاع ضغط الدم بـ”القاتل الصامت”، لأنه قد يستمر سنوات دون أعراض، بينما يسبب أضرارًا تدريجية للشرايين ويزيد خطر الإصابة بالجلطات الدماغية والقلبية وقصور القلب والفشل الكلوي.
كما يزيد السكري بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب، لذلك يُنصح المرضى بمتابعة عوامل الخطر القلبية وإجراء الفحوصات الدورية.
أما الكوليسترول، فرغم أهميته للجسم، فإن ارتفاع الكوليسترول الضار (LDL) أو انخفاض الكوليسترول النافع (HDL) يرفع خطر أمراض الشرايين، ويُقيّم ذلك ضمن مجمل عوامل الخطورة وليس وفق رقم الكوليسترول وحده.
التهاب حلق قد يترك أثرًا دائمًا
ليست جميع أمراض القلب حتمية، فبعضها يمكن الوقاية منه بخطوة بسيطة. فالحمى الروماتيزمية الحادة قد تحدث بعد التهاب اللوزتين الجرثومي غير المعالج لدى الأطفال، وقد تؤدي إلى تلف دائم في صمامات القلب.
ولهذا يشدد الأطباء على ضرورة عدم إهمال التهاب الحلق عند الأطفال، وعلاج العدوى الجرثومية بالمضادات الحيوية المناسبة عند ثبوتها.
عوامل يمكن تغييرها
تشكل العادات اليومية أبرز عوامل الخطر القلبية، وفي مقدمتها التدخين، الذي يضر ببطانة الشرايين ويسرّع تشكل اللويحات العصيدية ويزيد احتمال الجلطات.
كما ترتبط السمنة، خصوصًا تراكم الدهون الحشوية حول البطن، بزيادة الالتهابات ومقاومة الإنسولين وارتفاع ضغط الدم، بينما يزيد الخمول البدني من خطر الإصابة حتى لدى الأشخاص غير المصابين بالسمنة.
وفي المقابل، يساعد النشاط البدني المنتظم، حتى وإن كان معتدلًا، على خفض ضغط الدم وتحسين مستويات الكوليسترول وزيادة حساسية الجسم للإنسولين.
النوم والصحة النفسية
لم يعد النوم الجيد رفاهية، إذ تشير الأبحاث إلى أن قلة النوم المزمنة أو انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم يرتبطان بزيادة خطر ارتفاع ضغط الدم واضطرابات النظم واحتشاء عضلة القلب.
كما تؤثر الضغوط النفسية المزمنة والقلق والاكتئاب في صحة القلب، سواء بشكل مباشر عبر اضطرابات هرمونية وعصبية، أو بشكل غير مباشر من خلال زيادة التدخين وسوء التغذية وقلة النشاط البدني.
متى يطلب القلب النجدة؟
تستوجب الأعراض التالية طلب المساعدة الطبية بشكل فوري:
- ألم أو ضغط شديد في منتصف الصدر يستمر عدة دقائق أو يتكرر، وقد يمتد إلى الذراع أو الكتف أو الفك أو الظهر.
- ضيق نفس مفاجئ.
- تعرق بارد مصحوب بغثيان أو دوخة.
- فقدان الوعي.
- خفقان شديد مع دوار، أو ضعف مفاجئ في أحد الأطراف أو اضطراب في الكلام لاحتمال الإصابة بسكتة دماغية.
وفي حال فقد شخص وعيه وتوقف عن التنفس بصورة طبيعية، يجب البدء بالإنعاش القلبي الرئوي (CPR)، واستخدام جهاز الصدمة الكهربائية الخارجي (AED) إن توفر، حتى وصول فرق الطوارئ.
كيف نحمي القلب؟
ينبض القلب في المتوسط أكثر من ثلاثة مليارات مرة خلال نحو 80 عامًا، ويضخ قرابة سبعة آلاف لتر من الدم يوميًا عبر شبكة أوعية يبلغ طولها نحو 100 ألف كيلومتر.
ولا تتطلب حمايته معجزات، بل التزامًا يوميًا يشمل الإقلاع عن التدخين، وممارسة النشاط البدني لمدة لا تقل عن 150 دقيقة أسبوعيًا، واتباع نظام غذائي متوسطي غني بالخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة والأسماك وزيت الزيتون، مع تقليل الملح والسكريات والدهون المصنعة.
كما تسهم المحافظة على وزن صحي ومحيط خصر مناسب، وضبط ضغط الدم والسكر والكوليسترول، والحصول على سبع ساعات نوم على الأقل، وإجراء الفحوصات الدورية، خاصة عند وجود عوامل خطر أو تاريخ عائلي، في تقليل احتمالات الإصابة بأمراض القلب والحفاظ على صحة هذا العضو الذي يعمل بلا توقف طوال الحياة.

