قد يبدو قضاء يوم كامل بلا منبه صباحي، أو خطط، أو مهام ملزمة، نوعاً من الرفاهية المطلقة في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة. إلا أن الأبحاث تشير إلى أن الامتناع عن القيام بأي شيء قد يكون من أصعب التحديات التي يواجهها الإنسان.
فقلة من الأشخاص فقط تستطيع الاستمتاع بيوم خالٍ تماماً من الأنشطة مع شعور حقيقي بالراحة النفسية، من دون قلق أو تأنيب ضمير أو رغبة ملحة في إنجاز شيء ما، وهو ما يعد إنجازاً نادراً بالنسبة للعقل البشري، وفقاً لموقع Bolde.
تكمن المفارقة في أن كثيرين يتطلعون إلى الراحة، لكنهم يجدون صعوبة في تقبلها. ولا يرتبط ذلك بضعف الإرادة، بل يعكس نمطاً معيناً من التفكير، إذ يسعى البعض إلى تجنب الفراغ باستمرار، ويبتكرون لأنفسهم مهاماً جديدة إذا لم يجدوا ما يشغل وقتهم.
ويطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم “الخوف من الخمول”.
وتشير الدراسات إلى أنه عندما لا يجد الأشخاص سبباً يدفعهم إلى الانشغال، فإنهم يفضلون البقاء دون نشاط. لكن بمجرد ظهور أي مبرر، حتى وإن لم يكن ضرورياً، يسارعون إلى القيام به، ويؤكدون لاحقاً أنهم شعروا برضا أكبر مقارنة بمن بقوا دون عمل. وبعبارة أخرى، فإن كثيرين لا يسمحون لأنفسهم بالراحة ما لم يجدوا مبرراً لها.
يتجلى هذا النمط بوضوح خلال أيام العطلات الهادئة، حين يشعر الشخص فجأة برغبة في الرد على رسالة بريد إلكتروني كان يمكن تأجيلها، أو إنجاز مهمة مؤجلة منذ أسابيع، أو حتى إعداد قائمة جديدة من المهام.
وفي كثير من الأحيان، يكون اختراع مهمة جديدة أسهل من مواجهة وقت فراغ خالٍ تماماً من الالتزامات.
ورغم ذلك، يوجد أشخاص قادرون على قضاء ساعات طويلة من دون كتاب أو هاتف أو خطة مسبقة، مع شعور كامل بالرضا والراحة.
عندما يتوقف الإنسان عن الحركة والانشغال، لا يتوقف الدماغ عن العمل، بل يبدأ في إنتاج ما يشبه الضجيج الداخلي.
ولا يتعلق الأمر بملء الوقت فقط، بل بما يفعله العقل عندما لا يكون موجهاً نحو مهمة محددة. ففي هذه الحالة ينتقل الدماغ إلى نمط مختلف من النشاط التلقائي.
يعرف هذا النمط باسم “شبكة الوضع الافتراضي”، وهي منظومة دماغية تنشط عندما يتوقف الإنسان عن التركيز على العالم الخارجي.
وتتولى هذه الشبكة مسؤولية شرود الذهن، واستعادة أحداث الماضي، والتخطيط للمستقبل، وإعادة تقييم المواقف والحوارات السابقة.
ورغم أنها تؤدي أحياناً وظائف مفيدة، مثل أحلام اليقظة والمساعدة في حل المشكلات، فإنها قد تنزلق بسهولة إلى دوامة من التفكير المتكرر والقلق، فتستحضر الذكريات المؤلمة، والقرارات غير المحسومة، والأسئلة المستمرة حول مدى كفاية ما ينجزه الإنسان.
يختبر كثيرون هذا الشعور عند الخلود إلى النوم، فبعد يوم طويل يبدأ العقل باستحضار كل ما لم يُنجز، وكل المواقف التي لم تُحسم، وجميع مصادر القلق التي أُجل التفكير فيها طوال النهار.
في هذه الحالة، لا يمنح السكون الإحساس المتوقع بالهدوء، بل يمنح العقل مساحة أكبر للكلام، وقد يكون هذا الحديث الداخلي مزعجاً إلى درجة تدفع البعض للبحث عن أي وسيلة للهروب منه.
المثير للاهتمام أن الأشخاص القادرين على الاستمتاع بالفراغ لا يملكون بالضرورة عقلاً أكثر هدوءاً. فشبكة التفكير التلقائي لديهم تعمل بالطريقة نفسها، وقد تنتج القلق ذاته، لكن الاختلاف الحقيقي يكمن في طريقة تعاملهم مع اليوم الخالي من المهام.
فبالنسبة لكثيرين، يتحول اليوم غير المنتج إلى اختبار شخصي، إذ ترتبط قيمة الإنسان لديهم بما ينجزه، ما يجعل قضاء ساعات من دون إنتاج يبدو وكأنه دليل على التقصير.
أما الأشخاص الذين يستمتعون بأيام الراحة، فلا ينظرون إليها بهذه الطريقة. وعندما يُسألون عن عطلة نهاية الأسبوع، يجيبون ببساطة: “لم أفعل شيئاً، وكانت رائعة”، من دون الحاجة إلى تبرير كيفية قضاء الوقت.
يضرب التقرير مثالاً بشخصين تراودهما الفكرة نفسها خلال فترة هادئة، وهي أن اجتماع الغد سيكون صعباً.
يبدأ الشخص الأول في تحليل الاجتماع، والتدرب على ما سيقوله، وتخيل السيناريوهات السلبية، والاستعداد لكل الاحتمالات، ليجد نفسه بعد ساعة ما زال غارقاً في الفكرة ذاتها.
أما الشخص الثاني، فيلاحظ الفكرة ببساطة، ويقول لنفسه: “ليس الآن”، ثم يتركها تمر، كما يراقب سيارة تعبر الطريق من دون أن يلاحقها.
لا تعني القدرة على عدم القيام بأي شيء امتلاك عقل هادئ أو خالياً من القلق، كما لا تعني كبت الأفكار أو تجاهلها.
فالهموم والذكريات والأفكار تراود الجميع، لكن الأشخاص الذين يستمتعون بالفراغ تعلموا ألا يتعاملوا مع كل فكرة باعتبارها أمراً يتطلب الاستجابة أو التنفيذ.
وبذلك، فإن أندر إنجاز قد يحققه العقل القلق ليس الوصول إلى الصمت التام، بل القدرة على الجلوس وسط ضجيج الأفكار من دون السماح لها بالسيطرة.