مع تسارع وتيرة الحياة العصرية، أصبح الجلوس لساعات طويلة جزءاً أساسياً من الروتين اليومي، سواء أثناء العمل أو التنقل أو حتى خلال أوقات الراحة، إلا أن هذا النمط الخامل يحمل آثاراً صحية متراكمة قد تبدأ بآلام الظهر والخمول وتنتهي بأمراض مزمنة خطيرة.
تابعونا على التليكرام
الحركة المستمرة ضرورة وليست خياراً
وفي هذا السياق، أوضحت أرميدا سيليست غافينو، طبيبة الرعاية الأولية في مستشفى هيوستن ميثوديست، أن ممارسة الرياضة وحدها لا تكفي لتعويض ساعات الجلوس الطويلة، مؤكدة أن الجسم يحتاج إلى “حركة متواصلة” على مدار اليوم.
وأضافت أن الجلوس لفترات طويلة يؤدي إلى حرق سعرات حرارية أقل، ما يسبب تباطؤاً في عملية الأيض وتراكماً للدهون وزيادة في الوزن، فضلاً عن انخفاض حساسية الأنسولين، وهو ما يرفع مخاطر الإصابة بمرض داء السكري ومضاعفاته.
مخاطر صحية تتزايد مع نمط الحياة الخامل
وأظهرت دراسات حديثة أن نمط الحياة قليل الحركة يرتبط بزيادة احتمالات الإصابة بالسمنة وأمراض القلب والسكري وبعض أنواع السرطان، إلى جانب تسريع شيخوخة الدماغ وارتفاع خطر التراجع المعرفي والخرف.
كما كشفت أبحاث أن الجلوس لأكثر من 10 ساعات يومياً قد يزيد خطر الإصابة بفشل القلب والسكتات الدماغية وارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى ارتباطه بارتفاع احتمالات الإصابة بسرطان القولون والرئة والبروستاتا وبطانة الرحم.
التأثير يمتد إلى الصحة النفسية
ولا تقتصر أضرار الجلوس الطويل على الجانب الجسدي فقط، إذ أشارت غافينو إلى أن قلة الحركة قد تؤثر أيضاً في الصحة النفسية، من خلال زيادة الشعور بالتعب والقلق والتشوش الذهني وتقلبات المزاج.
كما يؤدي الخمول إلى ضعف مرونة الجسم وانحناء القامة وتيبس الوركين وآلام أسفل الظهر والرقبة، فضلاً عن تورم الساقين وضعف عضلات الجذع.
وأكدت الطبيبة أن الحركة المنتظمة تساعد في تحسين الحالة المزاجية عبر تعزيز إفراز هرمونات مثل الإندورفين والسيروتونين والدوبامين، المرتبطة بالشعور بالنشاط والراحة النفسية.
7000 خطوة يومياً قد تكون كافية
ورغم شيوع هدف “10 آلاف خطوة يومياً”، أشارت دراسات حديثة إلى أن فوائد الحركة تبدأ من مستويات أقل.
فقد وجدت دراسة نشرتها مجلة “لانسيت” للصحة العامة عام 2025 أن الأشخاص الذين يمشون 7000 خطوة يومياً تنخفض لديهم مخاطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة 25%.
كما أظهرت أبحاث أخرى أن الانتظام في هذا المعدل من النشاط قد يخفض خطر الوفاة بنسبة تتراوح بين 50 و70% مقارنة بالأشخاص الأقل حركة.
نصائح بسيطة لإدخال الحركة إلى الروتين اليومي
ورأت غافينو أن الوصول إلى هذا المعدل لا يتطلب تغييرات جذرية، بل يمكن تحقيقه عبر عادات بسيطة مثل استخدام الدرج، وركن السيارة بعيداً قليلاً، والمشي أثناء فترات الراحة.
كما نصحت العاملين في الوظائف المكتبية بالحركة لمدة 5 دقائق كل 30 دقيقة من الجلوس، سواء بالمشي أو التمدد أو صعود الدرج أو ممارسة تمارين خفيفة.
وأضافت: “حتى دقيقة واحدة من الحركة تبقى أفضل من الجلوس المستمر طوال الوقت”.
المكاتب الواقفة ليست الحل الكامل
ومع انتشار المكاتب المرتفعة التي تسمح بالعمل أثناء الوقوف، أوضحت غافينو أن الوقوف وحده لا يكفي إذا غابت الحركة المنتظمة.
وبحسب دراسة للجمعية الطبية البريطانية عام 2024، فإن استخدام المكاتب الواقفة وحده لا يقلل مخاطر الإصابة بأمراض القلب ما لم يترافق مع نشاط بدني مستمر.
واقترحت الطبيبة استخدام أجهزة المشي الصغيرة أسفل المكتب أو الحرص على التحرك المتكرر خلال ساعات العمل.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن إدخال الحركة إلى الروتين اليومي لا يحتاج إلى تغييرات معقدة، بل إلى خطوات بسيطة يمكن الالتزام بها على المدى الطويل، مشددة على ضرورة استشارة الطبيب عند الشعور بأعراض مثل ضيق التنفس أو ألم الصدر أو الدوار قبل البدء بأي برنامج رياضي جديد.

