الوضع الداكن
تاريخ - وباء الضحك الغامض.. حادثة تاريخية أصابت مئات الأطفال في تنزانيا
نشر بتاريخ 2026/11/01 3:02 مساءً
2 مشاهدة

في واحدة من أغرب الحوادث التي شهدها العالم، تحوّل الضحك من تعبير طبيعي عن الفرح والسعادة إلى ظاهرة غامضة اجتاحت مدارس وقرى في تنزانيا، وأصابت مئات الأطفال بنوبات هستيرية متواصلة، استمرت أسابيع وشهوراً، حتى اضطرت السلطات إلى إغلاق المدارس بحثاً عن حل للظاهرة التي حيّرت المعلمين والأطباء.


تابعونا على التليكرام


وبحسب ما أوردته مجلة «لوبوان» (Le Point) الفرنسية، بدأت القصة يوم 30 كانون الثاني/يناير 1962، داخل مدرسة في قرية كاشاشا بمنطقة تنجانيقا، التي تشكّل اليوم الجزء القاري من تنزانيا، عندما تحوّلت نوبات ضحك بين ثلاث طالبات إلى حالة جماعية خرجت عن السيطرة.

ثلاث طالبات تشعلان موجة ضحك غامضة

بدأت الحادثة في ملعب المدرسة، عندما انفجرت ثلاث فتيات صغيرات بالضحك بصورة غير طبيعية، وفقدن القدرة على التحكم في أنفسهن، وأخذن يتلوين ويصرخن ويتدحرجن على الأرض، قبل أن تتكرر نوبات الضحك بصورة متواصلة.

ولم تمضِ فترة طويلة حتى انتقلت الظاهرة إلى طالبات أخريات، لتتحوّل المدرسة إلى ساحة من الضحك الهستيري الذي عجز المعلمون عن إيقافه، قبل أن يمتد لاحقاً إلى مدارس وقرى أخرى.

من الضحك إلى العنف.. المعلمون أمام ظاهرة محيّرة

مع استمرار النوبات، أدرك المعلمون أن ما يحدث لم يعد مجرد حالة من المرح أو المزاح بين التلاميذ، وبدأ القلق يتسلل إليهم، خصوصاً بعدما فشلت محاولاتهم لإعادة الهدوء والانضباط إلى المدرسة.

وتفاقمت المخاوف عندما تحوّلت بعض الحالات من الضحك الهستيري إلى سلوكيات عنيفة، ما جعل السيطرة على الوضع أكثر صعوبة.

وبحسب المجلة الفرنسية، تفاوتت مدة نوبات الضحك من طفل إلى آخر، إذ استمرت أحياناً بضع دقائق، وفي حالات أخرى عدة ساعات، قبل أن تتوقف مؤقتاً وتعود مجدداً، فيما امتدت الأعراض لدى بعض المصابين إلى 16 يوماً.

والأغرب أن الأطفال المصابين لم يتمكنوا من تقديم أي تفسير واضح لسبب ضحكهم المتكرر، رغم أن النوبات كانت تؤثر في حياتهم اليومية وقدرتهم على متابعة الدراسة.

إغلاق المدرسة بعد إصابة 95 طالباً

رغم الانتشار الواسع للظاهرة، لم يُصب أي من المعلمين الخمسة العاملين في المدرسة، في مفارقة أثارت المزيد من التساؤلات بشأن طبيعة ما يحدث.

وفي 18 آذار/مارس 1962، وبعد نحو ستة أسابيع من بداية الأزمة، اضطرت السلطات إلى إغلاق المدرسة وإعادة الطالبات إلى قراهن، بعدما أصابت الظاهرة 95 طالبة من أصل 159.

لكن القرار الذي كان يهدف إلى احتواء الأزمة أسهم، على نحو غير متوقع، في انتقالها إلى مناطق أخرى.

الضحك ينتشر إلى قرى تبعد عشرات الكيلومترات

بعد عودة الطالبات إلى منازلهن، ظهرت حالات مماثلة في قرية نشامبا، التي أشار التقرير إلى أنها تبعد نحو 80 كيلومتراً، حيث أصيب نحو 217 شاباً وفتاة خلال الشهرين التاليين.

ولم يتوقف انتشار الظاهرة عند هذه القرية، بل امتد إلى مناطق مجاورة، بالتزامن مع استمرار إعادة الطلاب المصابين إلى منازلهم، ما ساعد على اتساع نطاق حالات الضحك الهستيري.

وبحسب الرواية التي نقلتها المجلة، تركزت الإصابات بين الأطفال والشباب، بينما كان البالغون أقل تأثراً، مع تسجيل بعض الحالات بينهم.

تحاليل في أوروبا دون العثور على سبب طبي

مع اتساع نطاق الظاهرة، وجدت السلطات نفسها أمام أزمة غير مألوفة، في ظل غياب تفسير طبي واضح لما يحدث.

ولمحاولة تحديد السبب، أُرسلت عينات دم مأخوذة من الأطفال المصابين إلى مختبرات في أوروبا لإجراء الفحوص والتحاليل اللازمة.

لكن النتائج لم تكشف عن وجود فيروسات أو مواد سامة تفسّر الأعراض، كما لم تظهر الفحوص وجود ملوثات في مياه الشرب أو الطعام يمكن ربطها بانتشار الحالات.

وأمام غياب أي دليل على عدوى عضوية أو تسمم، اتجه تفسير الظاهرة نحو اعتبارها حالة من الهستيريا الجماعية، أو ما يُعرف بالمرض النفسي الجماعي.

نهاية الوباء الغامض بعد أشهر من الحيرة

بعد أشهر من انتشار نوبات الضحك وتعطل الدراسة، بدأت الظاهرة تتراجع تدريجياً من تلقاء نفسها، دون التوصل إلى علاج محدد أو تفسير قاطع لأسباب اندلاعها.

وبحسب الرواية التي أوردتها المجلة الفرنسية، شهدت الأزمة تراجعاً بعد نحو ستة أشهر، وتمكن الطلاب من العودة إلى حياتهم الدراسية، بعدما تسبب انتشار الظاهرة في إغلاق 14 مدرسة.

وبقيت حادثة «وباء الضحك» في تنجانيقا واحدة من أغرب الوقائع المرتبطة بالهستيريا الجماعية، بعدما بدأت بضحكات ثلاث طالبات، وتحولت إلى أزمة واسعة حيّرت السلطات والأطباء وأثرت في حياة مئات الأطفال.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات