في 22 أغسطس/آب 1485، التقى الملك الإنجليزي ريتشارد الثالث بقوات منافسه هنري تيودور في معركة بوسورث، في واحدة من أكثر المواجهات حسمًا في التاريخ الإنجليزي.
دخل ريتشارد المعركة ملكًا لإنجلترا، وخرج منها قتيلًا في ساحة القتال، ليصبح آخر ملك إنجليزي يموت في معركة، فيما فتح انتصار هنري تيودور الطريق أمام صعود أسرة تيودور إلى العرش.
لكن موت ريتشارد لم يكن نهاية قصته.
فبعد أكثر من خمسة قرون، عاد الملك المثير للجدل إلى صدارة الأخبار عندما عُثر على رفاته تحت موقف للسيارات في مدينة ليستر، في اكتشاف أثري استثنائي أعاد فتح واحد من أشهر الملفات التاريخية البريطانية.
كان ريتشارد الثالث قد اعتلى العرش عام 1483، لكنه لم يحكم سوى نحو عامين.
وفي صيف 1485، وصل هنري تيودور إلى إنجلترا متحديًا حكمه، والتقى الجيشان قرب بوسورث في ليسترشير.
وخلال المعركة، شن ريتشارد هجومًا مباشرًا في محاولة للوصول إلى هنري وقتله وإنهاء المواجهة سريعًا.
لكن قوات عائلة ستانلي، التي ظلت مترددة في تحديد موقفها خلال أجزاء من المعركة، تدخلت في اللحظة الحاسمة إلى جانب هنري، لتتغير موازين المواجهة.
وقُتل ريتشارد في المعركة عن عمر 32 عامًا، وأصبح هنري تيودور بعد انتصاره الملك هنري السابع.
بعد الانتصار، اعتلى هنري السابع العرش، ثم تزوج عام 1486 من إليزابيث يورك، ابنة الملك إدوارد الرابع وابنة أخ ريتشارد الثالث.
وحمل الزواج أهمية سياسية كبيرة، إذ جمع بين بيت لانكاستر، الذي ارتبط به هنري، وبيت يورك، في خطوة أصبحت رمزًا لإنهاء الصراع الطويل المعروف باسم حرب الوردتين.
وكانت وفاة ريتشارد في بوسورث أيضًا نهاية حكم أسرة بلانتاجنت الذي امتد قرونًا.
بعد المعركة، نُقل جثمان ريتشارد إلى ليستر.
وتشير روايات تاريخية مبكرة إلى أن جسده تعرض لمعاملة مهينة، وأنه عُرض أمام الناس لإثبات وفاة الملك ومنع ظهور مدعين بأنه لا يزال حيًا.
ثم دُفن من دون مراسم ملكية كبيرة في كنيسة تابعة لدير الرهبان الفرنسيسكان المعروف باسم “Greyfriars” في ليستر.
وبعد عقود، حُل الدير خلال الإصلاح الديني في إنجلترا وهُدمت مبانيه، وضاع الموقع الدقيق للقبر.
ومن هنا بدأت الأساطير.
انتشرت لقرون رواية تقول إن عظام ريتشارد أُخرجت من قبرها وأُلقيت في نهر سوار بعد هدم الدير.
وأصبحت القصة مقبولة على نطاق واسع، حتى بين بعض المؤرخين.
لكن اكتشاف عام 2012 أثبت أنها لم تكن صحيحة.
فقد بقيت رفات الملك في المكان الذي دُفن فيه تقريبًا لمدة 527 عامًا، من دون أن تُنقل إلى النهر.
لم تكن شهرة ريتشارد الثالث مرتبطة بموته فقط.
فبعد نحو قرن من معركة بوسورث، قدم ويليام شكسبير الملك في مسرحيته الشهيرة “Richard III” بوصفه حاكمًا طموحًا وقاسيًا ومستعدًا لارتكاب الجرائم للوصول إلى السلطة.
وأصبحت هذه الصورة واحدة من أكثر الشخصيات الملكية شهرة في المسرح الإنجليزي.
لكن شكسبير لم يكن أول من تناول شخصية ريتشارد على المسرح.
فقد سبقته أعمال درامية، من بينها المسرحية اللاتينية “Richardus Tertius” لتوماس ليج في القرن السادس عشر، إضافة إلى عمل مجهول المؤلف عُرف باسم “The True Tragedy of Richard III”.
ومع مرور الزمن، أصبح من الصعب أحيانًا الفصل في المخيلة العامة بين ريتشارد التاريخي وريتشارد الذي صنعه الأدب.
يبقى السؤال الأكثر إثارة للجدل في حياة ريتشارد مرتبطًا بمصير ابني أخيه، الملك الصغير إدوارد الخامس وشقيقه ريتشارد دوق يورك.
بعد وفاة والدهما إدوارد الرابع عام 1483، كان إدوارد الخامس في طريقه إلى التتويج، لكن شرعية زواج والديه طُعن فيها، وأُعلن ريتشارد الثالث ملكًا بدلًا منه.
ووُضع الشقيقان في برج لندن، ثم اختفيا من السجلات التاريخية.
ومنذ ذلك الحين أصبحا معروفين باسم “أمراء البرج”.
لم يُعثر حتى اليوم على دليل قاطع يحسم مصير الأميرين أو يثبت بصورة نهائية من أمر بقتلهما، إذا كانا قد قُتلا بالفعل.
لكن ريتشارد ظل المشتبه به الأشهر، بسبب استفادته المباشرة سياسيًا من غيابهما.
ومن أبرز المصادر التي حمّلته المسؤولية المؤرخ والسياسي توماس مور، الذي كتب روايته بعد عقود من الأحداث.
ويرفض أنصار ريتشارد هذه الرواية، معتبرين أنها تأثرت بالبيئة السياسية التي أعقبت انتصار أسرة تيودور، بينما يرى مؤرخون آخرون أنها لا ينبغي أن تُرفض باعتبارها دعاية فقط.
ولهذا بقيت قضية “أمراء البرج” واحدة من أشهر القضايا غير المحسومة في التاريخ البريطاني.
على خلاف معظم الملوك الذين حكموا في العصور الوسطى، ظهر لريتشارد الثالث على مدى القرنين الماضيين تيار من المؤيدين يسعى إلى إعادة تقييم سمعته.
وتأسست “جمعية ريتشارد الثالث” لتشجيع دراسة حياته وعهده ومراجعة الصورة التي التصقت به في الأعمال الأدبية.
وكان من بين أشهر الأعمال التي حاولت إعادة النظر في القضية رواية “ابنة الزمن” لجوزفين تي، التي نُشرت عام 1951، وتتناول محققًا يحاول فحص الأدلة التاريخية بشأن اتهام ريتشارد بقتل الأميرين.
لكن أشهر محاولة لاستعادة الملك لم تكن أدبية، بل أثرية.
كانت فيليبا لانغلي، وهي من المهتمين بتاريخ ريتشارد الثالث وعضوة في الجمعية التي تحمل اسمه، من أبرز الشخصيات التي دفعت باتجاه البحث عن قبره المفقود.
وبالتعاون مع جامعة ليستر ومجلس المدينة وجمعية ريتشارد الثالث، بدأ مشروع للتنقيب في الموقع الذي كان يُعتقد أن دير Greyfriars قائمًا فيه.
لكن الدير نفسه كان قد اختفى منذ قرون، وتحولت أجزاء من الموقع في العصر الحديث إلى موقف للسيارات.
وفي أغسطس/آب 2012 بدأت أعمال الحفر.
بعد وقت قصير من بدء التنقيب، اكتشف علماء الآثار هيكلًا عظميًا لرجل يحمل آثار إصابات قتالية ويعاني من انحناء شديد في العمود الفقري.
وكان موقع الدفن داخل المنطقة التي كانت تشغلها كنيسة Greyfriars مطابقًا تقريبًا لما توقعه الباحثون.
وبدأت سلسلة طويلة من الاختبارات شملت التأريخ بالكربون المشع ودراسة الهيكل العظمي والإصابات والتحليل الجيني.
وفي فبراير/شباط 2013، أعلنت جامعة ليستر أن الأدلة تؤكد أن الرفات تعود إلى ريتشارد الثالث.
قارن العلماء الحمض النووي للهيكل العظمي بعينات من أقارب أحياء ينحدرون عبر السلالة الأنثوية من عائلة ريتشارد.
وأظهر الحمض النووي الميتوكوندري تطابقًا قويًا.
وعند جمع النتائج الجينية مع عمر الهيكل ومكان الدفن والإصابات القتالية والتاريخ الزمني للرفات، خلص الباحثون إلى أن احتمال أن يكون الهيكل لريتشارد الثالث تجاوز 99.999%.
كما كشف الفحص أن الملك كان يعاني من الجنف، أي انحناء في العمود الفقري، لكنه لم يكن بالضرورة صاحب الهيئة المشوهة المبالغ فيها التي رسمتها بعض الأعمال الأدبية لاحقًا.
قدمت عظام ريتشارد أيضًا تفاصيل عن نهايته العنيفة.
وكشف الباحثون عن إصابات متعددة في الجمجمة والجسد، تتوافق مع تعرضه لضربات في ساحة المعركة.
وأظهرت الدراسات أن بعض الإصابات في الرأس كانت شديدة بما يكفي لتكون قاتلة.
وهكذا تحولت عظام الملك بعد أكثر من خمسة قرون إلى سجل جنائي تقريبًا يكشف جانبًا من اللحظات الأخيرة في حياته.
في مارس/آذار 2015، أعيد دفن رفات ريتشارد الثالث في كاتدرائية ليستر خلال مراسم رسمية تابعها جمهور واسع.
ووُضع الملك في قبر جديد، بعد نحو 530 عامًا من موته في بوسورث ودفنه الأول المتواضع.
وبذلك انتهى لغز مكان قبره، لكن الجدل حول شخصيته لم ينتهِ.
عادت القصة إلى الثقافة الشعبية بقوة مع فيلم “The Lost King” عام 2022، الذي تناول رحلة فيليبا لانغلي ودورها في البحث عن رفات الملك.
وجدد الفيلم نقاشًا أقدم حول العلاقة بين المؤرخين المحترفين والهواة، ومن يمتلك الحق في إعادة تفسير الماضي.
كما أعاد طرح السؤال الذي يلاحق ريتشارد منذ قرون: هل كان بالفعل الطاغية القاتل الذي رسمته بعض الروايات، أم أن المنتصرين كتبوا صورته بالطريقة التي خدمت حكمهم؟
يصعب العثور على ملك إنجليزي من العصور الوسطى لا يزال يثير هذا القدر من الجدل الشعبي بعد أكثر من خمسة قرون من موته.
والسبب أن قصته تجمع عناصر نادرة في شخصية واحدة: ملك قُتل في معركة، طفلان ملكيان اختفيا في ظروف غامضة، دعاية سياسية، مسرح شكسبيري، قبر ضائع، وأخيرًا اكتشاف أثري حقيقي تحت موقف للسيارات.
كما يقع ريتشارد عند نقطة تحول تاريخية كبرى، إذ ارتبط موته بنهاية حقبة من حرب الوردتين وبداية حكم أسرة تيودور.
تكمن فرادة قصة ريتشارد الثالث في أن الجدل حوله لم يبقَ محصورًا في الكتب والمخطوطات.
فبعد قرون من اعتماد المؤرخين على النصوص والروايات المتعارضة، دخل علم الآثار وعلم الوراثة والطب الشرعي إلى القضية.
لكن حتى هذه الأدوات العلمية استطاعت الإجابة عن سؤال واحد كبير فقط: أين كان ريتشارد؟
أما السؤال الأصعب، وهو من كان ريتشارد الثالث فعلًا، وما إذا كان مسؤولًا عن اختفاء أميري البرج، فلا يزال مفتوحًا.
وهكذا عُثر على الملك المفقود، لكن لغزه لم يُدفن معه.