كانت مكتبة الإسكندرية القديمة إطلالة فكرية أضاءت طريق المعرفة، وأنارت مناهج البحث، وفتحت مغاليق العقل، وظلت لعدة قرون واحدة من أهم مراكز الفكر الإنساني في العالم القديم.
وخصص ملوك البطالمة أموالًا طائلة لجعل المكتبة منارة علمية عالمية، وسعوا إلى جمع أصول المؤلفات القديمة. وتروي المصادر أنهم عندما استعاروا من أثينا أعمال كبار مؤلفي التراجيديا الثلاثة؛ إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس، أعادوا نسخًا منها واحتفظوا في الإسكندرية بالنصوص الأصلية.
ولم تكن مكتبة الإسكندرية مجرد خزانة ضخمة تضم مئات الآلاف من الكتب واللفائف، بل كانت مركزًا يجمع العلماء والمفكرين والأدباء في تخصصات مختلفة، فيما شكلت المؤلفات التي ازدحمت بها نتاجًا لجهود عدد كبير من أبرز علماء عصرها.
اختلفت الروايات التاريخية بشأن تاريخ تأسيس مكتبة الإسكندرية القديمة وهوية مؤسسها؛ إذ ذهبت بعض الروايات إلى أن الإسكندر الأكبر (356–323 ق.م) كان أول من أمر بإنشائها بعد دخوله مصر.
في المقابل، تشير روايات أخرى إلى أن خلفاء الإسكندر في مصر، وهم البطالمة، تولوا إنشاء المكتبة الكبرى، ولا سيما في عهد بطليموس الأول «سوتير»، مؤسس دولة البطالمة، الذي حكم مصر بين عامي 323 و285 ق.م، فيما تولى ابنه بطليموس الثاني «فيلادلفوس» (285–246 ق.م) تنفيذ المشروع وتطويره، حتى أصبحت الإسكندرية مركزًا بارزًا للثقافة الهلينية. وتشير مصادر متحفية حديثة إلى تأسيس المكتبة على يد الملوك البطالمة في مطلع القرن الثالث قبل الميلاد.
كانت مكتبة الإسكندرية القديمة مقسمة إلى قسمين؛ يقع القسم الأكبر في القصر الملكي بحي البروكيوم، بينما كان القسم الأصغر في معبد سيرابيس.
وضمت المكتبة مئات الآلاف من لفائف البردي، إذ قُدر عددها، وفق بعض الروايات، بنحو 400 ألف لفافة متنوعة، إلى جانب نحو 90 ألف لفافة مفردة لمصنف واحد ومؤلف واحد، فيما رفعت روايات أخرى العدد إلى أكثر من 532 ألفًا و800 لفافة.
وكان طول معظم اللفائف يبلغ نحو 20 قدمًا، وعرضها قرابة عشر بوصات، فيما كانت الكتابة تتم على وجه واحد في معظم أوراق البردي.
تعاقب على إدارة مكتبة الإسكندرية عدد من مشاهير العلماء، ومن أبرزهم ديمتريوس الفاليري، ثم زينودوتوس الأفسسي، وكاليماخوس الذي يُعد من أشهر الشخصيات المرتبطة بتاريخ المكتبة.
ومع اتساع حجم المقتنيات، أدرك كاليماخوس صعوبة الوصول إلى الكتب بسهولة، فعمل على تقسيم المؤلفات الطويلة إلى أجزاء أصغر لتسهيل تداولها، كما وضع فهرسًا شاملًا لمحتويات المكتبة وفق الموضوعات، مثل القانون والملاحم والشعر الغنائي.
وجاء بعده تلميذه أبولونيوس الروديسي، ثم إراتوستينس، الذي جمع بين علوم الرياضيات والفلك والجغرافيا، وتبعه أريستوفانيس البيزنطي، الذي يُنسب إليه دور بارز في تطوير علامات تساعد على قراءة النصوص اليونانية وتنظيمها.
ترتبط أشهر الروايات عن تراجع مكتبة الإسكندرية بالحريق الذي اندلع سنة 48 ق.م، خلال وجود يوليوس قيصر في المدينة، عندما أقدم على إحراق السفن الموجودة على ساحل البحر المتوسط أثناء الصراع الذي دار في الإسكندرية بين أنصار بطليموس وكليوباترا السابعة.
وتذكر الرواية التقليدية أن النيران امتدت إلى منشآت مرتبطة بالمكتبة وأتت على جانب من محتوياتها، لتصبح حادثة حريق قيصر واحدة من أشهر الروايات المرتبطة بمصير مكتبة الإسكندرية.
إلا أن مسألة اندثار المكتبة بالكامل في ذلك الحريق لا تزال محل خلاف بين المؤرخين؛ إذ تشير دراسات تاريخية إلى استمرار وجود المؤسسة أو أجزاء من مجموعاتها بعد عهد قيصر، بينما يرجح باحثون أن تدهورها حدث على مراحل نتيجة الحرائق والاضطرابات وتراجع الرعاية السياسية والعلمية.
بعد تراجع المكتبة الكبرى، برزت المكتبة الموجودة في معبد سيرابيس، والتي عُرفت باسم «المكتبة الابنة»، بوصفها أحد المراكز التي ارتبطت باستمرار النشاط العلمي في الإسكندرية.
وفي عام 391م دُمر معبد السيرابيوم في عهد الإمبراطور الروماني ثيودوسيوس الأول، وتحت إشراف أسقف الإسكندرية ثيوفيلوس، ضمن الإجراءات التي استهدفت المعابد الوثنية في تلك المرحلة.
وتنقل المصادر التاريخية شهادات عن تدمير المعبد من أساسه، غير أن الباحثين المعاصرين يشيرون إلى عدم وجود دليل حاسم يثبت أن مجموعة كبيرة من كتب مكتبة الإسكندرية كانت لا تزال محفوظة داخل السيرابيوم عند تدميره، ما يجعل النهاية الدقيقة للمكتبة القديمة واحدة من أكثر القضايا التاريخية إثارة للجدل حتى اليوم.