شهدت بريطانيا في أواخر القرن الثامن عشر انطلاق الثورة الصناعية، التي مثّلت تحولًا علميًا واقتصاديًا واجتماعيًا غير مسبوق، بعد ظهور التقانة الحديثة واكتشاف الآلة البخارية. وأسهم هذا التطور في إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد، إذ انتقلت الريادة من القطاع الزراعي إلى القطاع الصناعي، بعد تحول الإنتاج من الأساليب اليدوية التقليدية إلى التصنيع المعتمد على الآلات.
ويُعد ظهور الآلة البخارية في ستينيات القرن الثامن عشر الشرارة الأولى للثورة الصناعية، حيث ازدهرت صناعتا النسيج والصلب، قبل أن تنتقل هذه التحولات إلى بقية أوروبا ثم إلى أميركا الشمالية مع مطلع القرن التاسع عشر.
ويؤكد المؤرخون أن الثورة الصناعية جاءت تتويجًا للتقدم العلمي الذي أفرزته النهضة الأوروبية قبل ذلك بقرنين، كما ارتبطت بازدهار التجارة العالمية والصناعات التقليدية، الأمر الذي خلق حاجة متزايدة إلى وسائل إنتاج أكثر كفاءة لتلبية الطلب المتنامي في الأسواق.
وفي الوقت ذاته، أدى التوسع في إنتاج الفحم الحجري، الذي كان المصدر الرئيس للطاقة آنذاك، إلى فتح آفاق جديدة أمام توظيفه في دعم العمليات الصناعية وتعزيز الإنتاج.
ترسخت الثورة الصناعية أولًا في بريطانيا، حيث شهدت صناعات النسيج والصلب واستخراج الفحم نموًا متسارعًا، إلى جانب توسع شبكات النقل وظهور الجسور الحديثة، فيما بدأت السكك الحديدية بالانتشار خلال منتصف القرن التاسع عشر.
وعلى الصعيد الاجتماعي، برزت طبقة عاملة جديدة حول المناطق الصناعية، وظهرت مهن وحرف مرتبطة بالمصانع، ما أدى إلى تغير أنماط الحياة وتعزيز التوسع الحضري، إذ أصبحت المصانع السمة الأبرز للمدن مقارنة بالمناطق الريفية التي ظلت تعتمد على الأساليب التقليدية.
ويرى عدد من المؤرخين أن الثورة الصناعية البريطانية امتدت بين عامي 1770 و1830، وهي الفترة التي أرست أسس التفوق الاقتصادي والعسكري لبريطانيا حتى منتصف القرن العشرين.
مع بداية القرن التاسع عشر، انتقلت موجة التصنيع إلى أوروبا، وفي مقدمتها فرنسا التي دخلت عصر الصناعة بصورة فعلية بعد ثورة عام 1789، ولا سيما خلال فترة “ملكية يوليو” ابتداءً من عام 1830.
كما بدأت ألمانيا، إلى جانب معظم دول أوروبا الغربية، في السير على النهج ذاته، قبل أن تتحول إلى قوة صناعية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، متأخرة عن سويسرا وبلجيكا اللتين شهدتا تطورًا صناعيًا ملحوظًا منذ أربعينيات القرن نفسه.
شهد العالم أواخر القرن التاسع عشر انطلاق الثورة الصناعية الثانية، مدفوعة باكتشاف الكهرباء والمصباح الكهربائي على يد المخترع الأميركي توماس إديسون، إلى جانب اكتشاف البترول والنهضة الكبيرة في الصناعات الكيميائية المرتبطة به.
وسرعان ما أصبحت الكهرباء عنصرًا أساسيًا في تشغيل المصانع، بينما أخذ البترول يحل تدريجيًا محل الفحم الحجري كمصدر رئيس للطاقة، وهو ما أدى إلى ظهور صناعات جديدة وابتكار معادن ومواد أكثر تطورًا.
كما ساهم اختراع المحرك الانفجاري في مطلع القرن العشرين في إحداث تحول جذري بقطاع النقل، مع انتشار السيارات، ثم تطور القطارات التي أصبحت تعتمد على المحركات بدلًا من الجر بالخيول.
أدى انتشار الكهرباء إلى ازدهار الصناعات الدقيقة، وتوالت الإنجازات العلمية مع ظهور الهاتف والإذاعة والتلفزيون والطائرة، لتدخل البشرية مرحلة جديدة من التطور التقني.
وقبيل نهاية الحرب العالمية الثانية، دخل العالم العصر النووي بعد استخدام الولايات المتحدة القنبلة النووية ضد مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين، قبل أن تتوسع الاستخدامات السلمية للطاقة النووية لاحقًا، خصوصًا في مجالات الطب والصناعات الدقيقة.
وأسهمت هذه التطورات في إنتاج مواد جديدة مثل السليكون والسيراميك والريزين الصناعي، والتي أصبحت أساسًا لثورة تقنية جديدة، كان أبرز مظاهرها التطور المتسارع في قطاع الاتصالات.
تعززت الثورة التقنية مع برامج استكشاف الفضاء، وظهور البث الفضائي، ثم انتشار الإنترنت التي بدأت مشروعًا عسكريًا أميركيًا قبل أن تصبح متاحة للاستخدام المدني والتجاري في أوائل تسعينيات القرن العشرين.
ويرى باحثون أن العالم يقف على أعتاب ثورات علمية جديدة، تقودها أبحاث تقنية النانو والخلايا الجذعية، والتي يُتوقع أن تُحدث تغيرات جذرية في العلوم والصناعات المستقبلية.
وتعزز هذا التصور مع إعلان علماء أوروبيين وأميركيين، في فبراير/شباط 2016، نجاحهم في رصد موجات الجاذبية التي تنبأ بها ألبرت آينشتاين ضمن نظريته حول الثقوب السوداء، في إنجاز علمي اعتُبر خطوة فارقة في فهم الكون.