تُعد كارثة بوبال، المعروفة أيضاً باسم كارثة “يونيون كاربايد”، واحدة من أسوأ الكوارث الصناعية في تاريخ البشرية، بعدما أدى تسرب غاز سام من مصنع للمبيدات الحشرية في مدينة بوبال الهندية إلى مقتل آلاف الأشخاص وإصابة مئات الآلاف بأضرار صحية متفاوتة، فيما لا تزال آثارها البيئية والإنسانية مستمرة حتى اليوم.
وقعت الكارثة مساء الثاني من ديسمبر/كانون الأول 1984، عندما تسرب نحو 30 طناً من غاز ميثيل أيزوسيانات السام من مصنع تابع لشركة “يونيون كاربايد” الأميركية في مدينة بوبال بولاية ماديا براديش وسط الهند.
واستيقظ السكان في الساعات الأولى من صباح اليوم التالي على مشاهد مأساوية، بعدما انتشرت سحب الغاز السام فوق الأحياء السكنية، متسببة بحالات اختناق جماعية وحروق ومضاعفات صحية خطيرة دفعت الآلاف إلى الفرار بحثاً عن النجاة.
أظهرت التحقيقات أن المصنع كان يعاني من ضعف في أنظمة السلامة والإهمال في أعمال الصيانة، فضلاً عن نقص تدريب العاملين وانخفاض معايير التشغيل.
وفي يوم الحادث، أدى تفاعل كيميائي داخل أحد خزانات تخزين غاز ميثيل أيزوسيانات إلى ارتفاع شديد في الضغط ودرجة الحرارة، بينما فشلت أنظمة الحماية في احتواء الأزمة.
ورغم ظهور مؤشرات خطيرة على أجهزة القياس قبل ساعات من التسرب، لم تُتخذ إجراءات عاجلة لمعالجة المشكلة، ما سمح بتفاقم الوضع وخروجه عن السيطرة.
مع حلول منتصف الليل، تصاعدت الأزمة إلى أن وقع الانفجار داخل المصنع، ما أدى إلى انطلاق كميات هائلة من الغازات السامة في الهواء.
وفشلت محاولات فرق الطوارئ في احتواء التسرب، كما تعطلت بعض أنظمة التنفيس والحماية، فيما تأخر إبلاغ السلطات المحلية بحجم الكارثة، الأمر الذي ساهم في اتساع نطاق الأضرار.
ساعد الطقس البارد آنذاك على بقاء الغازات السامة قريبة من سطح الأرض، ما أدى إلى تعرض أعداد كبيرة من السكان لها، خاصة الأطفال وكبار السن والمرضى.
وامتلأت المستشفيات بالآلاف من المصابين الذين عانوا من صعوبات حادة في التنفس وحالات اختناق واضطرابات صحية خطيرة، بينما تعذر في الساعات الأولى حصر أعداد الضحايا بدقة بسبب حجم الكارثة.
أعلنت شركة “يونيون كاربايد” أن عدد الوفيات المباشرة بلغ نحو 3800 شخص، بينما تشير منظمات حقوقية وبيئية إلى أن العدد الحقيقي أكبر بكثير.
ووفق تقديرات منظمات تدافع عن ضحايا الكارثة، فإن أكثر من 7 آلاف شخص لقوا حتفهم خلال الأيام الثلاثة الأولى فقط، فيما تجاوز عدد الوفيات المرتبطة بتداعيات الحادث خلال العقود اللاحقة 25 ألف شخص.
كما تعرض عشرات الآلاف لإصابات دائمة شملت مشكلات في الجهاز التنفسي والعصبي، وفقدان البصر، واضطرابات الذاكرة، وأمراضاً مزمنة مختلفة.
لم تتوقف تداعيات الكارثة عند الجيل الأول من الناجين، إذ تشير تقارير طبية إلى استمرار ظهور آثار صحية لدى أبناء وأحفاد المتضررين.
كما أدى تلوث التربة والمياه الجوفية إلى زيادة معدلات التشوهات الخلقية والإعاقات لدى الأطفال في المناطق المحيطة بموقع المصنع.
وأظهرت دراسات وتحاليل متعاقبة وجود مستويات مرتفعة من مواد سامة ومسرطنة في المياه والتربة، بينها الزئبق والكلوروفورم وثلاثي كلورو إيثين، ما زاد من المخاوف بشأن استمرار التلوث البيئي في المنطقة.
في عام 2001، استحوذت شركة “داو كيميكال” الأميركية على شركة “يونيون كاربايد”، إلا أن الجدل استمر بشأن مسؤولية تنظيف الموقع وتعويض المتضررين.
وكانت “يونيون كاربايد” قد وافقت عام 1989 على تسوية مع الحكومة الهندية بلغت قيمتها 470 مليون دولار، إلا أن منظمات حقوقية اعتبرت المبلغ غير كافٍ مقارنة بحجم الخسائر البشرية والبيئية.
على الصعيد القضائي، استمرت المطالبات بمحاسبة المسؤولين عن الكارثة لعقود طويلة.
وفي عام 2010، أصدرت محكمة هندية أحكاماً بحق ثمانية موظفين هنود سابقين في المصنع بتهمة القتل بالإهمال، وهي الأحكام التي اعتبرها ناشطون متأخرة وغير متناسبة مع حجم الكارثة.
كما ظل ملف ملاحقة المسؤولين التنفيذيين في الشركة محل جدل، خصوصاً بعد وفاة الرئيس التنفيذي السابق لشركة “يونيون كاربايد” وارن أندرسون عام 2014 دون مثوله أمام القضاء.
بعد أكثر من أربعة عقود على وقوعها، لا تزال كارثة بوبال تمثل رمزاً عالمياً لفشل معايير السلامة الصناعية، فيما يواصل آلاف الناجين وأسر الضحايا المطالبة بالعدالة والتعويضات ومعالجة التلوث الذي ما زال يلقي بظلاله على حياة سكان المدينة.