رغم مرور أكثر من 170 عاماً على مجاعة البطاطا الكبرى في إيرلندا، لا يزال الإيرلنديون يستذكرون موقفاً إنسانياً بارزاً للسلطان العثماني عبد المجيد الأول، الذي بادر إلى تقديم المساعدات للشعب الإيرلندي في واحدة من أحلك الفترات التي مر بها خلال القرن التاسع عشر.
شهدت إيرلندا بين عامي 1845 و1849 واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخها، عُرفت باسم “مجاعة البطاطا”، بعدما ضربت آفة فطرية محصول البطاطا الذي كان يشكل الغذاء الأساسي لغالبية السكان.
وتسبب المرض الزراعي في إتلاف نحو ثلث المحصول عام 1845، قبل أن يقضي على ما يقارب 90% منه في العام التالي، ما أدى إلى تفشي الجوع على نطاق واسع وبلوغ الأزمة ذروتها عام 1847، الذي عرف في الذاكرة الإيرلندية باسم “السنة السوداء”.
أجبرت المجاعة أكثر من مليون إيرلندي على الهجرة، خاصة إلى الولايات المتحدة، فيما بقي مئات الآلاف من الفقراء يواجهون الجوع والمرض داخل البلاد.
كما أسهمت الكارثة في تغيير المشهد الديموغرافي والسياسي والثقافي لإيرلندا، إذ تسببت في انخفاض عدد السكان لعقود طويلة، وتركت جروحاً عميقة في الذاكرة الوطنية الإيرلندية.
في ذروة المجاعة، وصلت مساعدات إنسانية من عدة دول ومنظمات خيرية، إلا أن الموقف العثماني حظي بمكانة خاصة في الذاكرة الإيرلندية.
فبعد اطلاع السلطان عبد المجيد الأول على حجم المأساة، قرر تقديم عشرة آلاف جنيه إسترليني دعماً للشعب الإيرلندي، وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك الزمن.
وبحسب روايات تاريخية متداولة، طلبت السلطات البريطانية من الدولة العثمانية تقليص قيمة التبرع إلى ألف جنيه إسترليني فقط، حتى لا يتجاوز حجم المساعدة ما قدمته الملكة فيكتوريا، التي تبرعت بمبلغ ألفي جنيه إسترليني.
ورغم موافقة السلطان على خفض قيمة التبرع المالي، أرسل ثلاث سفن محملة بالمواد الغذائية والأدوية والبذور الزراعية لمساعدة المتضررين.
ونظراً لكون إيرلندا كانت آنذاك تحت الحكم البريطاني، لم يُسمح لسفن الإغاثة العثمانية بالرسو في ميناء دبلن، ما دفعها إلى التوجه نحو ميناء دروهيدا الواقع شمال العاصمة، حيث تم تفريغ المساعدات وتوزيعها على المحتاجين.
بعد انتهاء المجاعة، بعث وجهاء وسكان إيرلندا رسالة شكر إلى السلطان عبد المجيد الأول، عبّروا فيها عن امتنانهم لموقفه الإنساني ومساعداته التي أسهمت في التخفيف من معاناة آلاف الأسر.
وبقيت هذه المبادرة حاضرة في الذاكرة الجماعية للإيرلنديين، حتى أن مدينة دروهيدا قامت عام 2006 بتخليد الواقعة من خلال وضع لوحة تذكارية على أحد مبانيها التاريخية تكريماً للبحارة العثمانيين الذين أوصلوا المساعدات إلى المدينة خلال سنوات المجاعة.
ولا تزال مجاعة البطاطا تمثل إحدى أكثر المحطات إثارة للجدل في التاريخ الإيرلندي، إذ حمّل كثير من المؤرخين والناشطين السلطات البريطانية جزءاً من المسؤولية عن تفاقم الأزمة.
وتشير دراسات تاريخية إلى أن إيرلندا استمرت في تصدير كميات كبيرة من المواد الغذائية إلى بريطانيا خلال سنوات المجاعة، رغم تفشي الجوع بين السكان.
كما كشفت أبحاث تاريخية أن آلاف شحنات الأغذية غادرت الموانئ الإيرلندية إلى مدن بريطانية خلال عام 1847، وهو ما عزز الشعور بالمرارة لدى الإيرلنديين وأصبح أحد أسباب التوتر التاريخي في العلاقات بين الشعبين.
تحولت المساعدات العثمانية إلى رمز للتضامن الإنساني العابر للحدود، وبقيت قصة السلطان عبد المجيد الأول واحدة من أكثر المواقف التي يستذكرها الإيرلنديون بإيجابية عند الحديث عن مجاعة البطاطا الكبرى، باعتبارها نموذجاً للمساندة الإنسانية في زمن الأزمات.