الوضع الداكن
تاريخ - الساموراي بين الحقيقة والأسطورة.. قصة محاربين غيّروا تاريخ اليابان
نشر بتاريخ 2026/09/13 4:30 مساءً
2 مشاهدة

لطالما كانت سيرة الساموراي مصدر إلهام للمبدعين على مرّ العصور، بدءاً من التصاوير والكتابات في العصور الوسطى، وصولاً إلى السينما و«حرب النجوم».


تابعونا على التليكرام


لطالما كانت سيرة الساموراي مصدر إلهام للمبدعين على مرّ العصور، بدءاً من التصاوير والكتابات في العصور الوسطى، وصولاً إلى السينما و«حرب النجوم».

لكن قصة الساموراي الحقيقية أكثر تعقيداً وإثارة للدهشة مما قد يتراءى لنا.

ويُنظر إلى بقاء إرث الساموراي رغم مرور الزمن على أنه ظاهرة فريدة في التاريخ الثقافي؛ فلم تحظَ أيٌّ من جماعات القرون الوسطى بما حظيت به طبقة الساموراي من احتفاء وتخليد في الثقافة الشعبية، بدءاً من المنقوشات الخشبية المعروفة بـ«الأوكيّو-إي» التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر، وصولاً إلى ألعاب الفيديو والعروض التلفزيونية والأفلام.

غير أن قوس الشهرة يميل بطبيعته إلى التحريف، وهو ما حدث مع قصة الساموراي. فهل كان هناك حقاً محاربون يتحلّون بكل هذا القدر من الشجاعة والإخلاص والفداء والنظام كما تقول قصص الساموراي؟

ثمّة رأي آخر يطرحه معرض بعنوان «ساموراي» يستضيفه المتحف البريطاني، ويحاول تبديد الضباب الذي يكتنف قصة هؤلاء المحاربين الأسطوريين، والكشف عن حقيقة حياتهم وتاريخهم.

من هم الساموراي وكيف بدأت قصتهم؟

لم يكن الساموراي جماعة متجانسة من الأشخاص، كما أنهم لم يحافظوا على صورة واحدة عبر فصول تاريخهم المتعاقبة، بحسب روزينا باكلاند، أمينة معرض الساموراي الذي يستضيفه المتحف البريطاني.

وفي حديث لبي بي سي، قالت باكلاند: «أعتقد أن التصور السائد لدى الغرب عن الساموراي هو أنهم كانوا محاربين، وقد كانوا كذلك بالفعل. هكذا بدأوا، ثم أحرزوا منزلة قوية إبان القرون الوسطى. لكن هذا ليس كل شيء».

تعود جذور الساموراي إلى القرن العاشر الميلادي، حيث بدأوا كمرتزقة في الدواوين الإمبراطورية، ثم أصبحوا تدريجياً نبلاء ريفيين. لكنهم لم يكونوا منذ البداية فرساناً يلتزمون بتقاليد الفروسية الراسخة، كما جنح الناس إلى تصورهم لاحقاً.

ففي المعارك، كان الساموراي يلجأون إلى الحيل والتكتيكات الانتهازية، مثل نصب الكمائن والخداع، وغالباً ما كان دافعهم يتمثل في الحصول على المكافآت، ومنها امتلاك الأراضي والترقي إلى منازل اجتماعية رفيعة، أكثر من كونه نابعاً من الإحساس بالشرف والواجب.

الساموراي والتأثيرات الأجنبية

كما أن هيئتهم، التي تدل عليها الرسوم، تشير إلى استعانتهم بتقنيات أجنبية، وهو أحد الجوانب المدهشة في شخصية الساموراي.

فعلى سبيل المثال، كان الدرع الذي يرتدونه لحماية صدورهم في المعارك مصمماً على الطراز البرتغالي، وكان لا بد منه للوقاية من الرصاص، خصوصاً بعد وصول الأسلحة الأوروبية الجديدة إلى اليابان عام 1543.

«الثقافة قوة»

أحرزت طبقة الساموراي قوة سياسية، مستغلةً الفوضى المجتمعية والنزاعات على العرش التي كانت سائدة في ذلك العصر.

وتمكنت إحدى القبائل، وتُدعى «ميناموتو»، من الصعود وتأسيس حكومة جديدة عام 1185، موازية للبلاط الإمبراطوري.

وشهدت سنوات طويلة صعوداً وهبوطاً لعدد من الأسر الحاكمة، بناءً على نتائج معارك عديدة دارت رحاها بين قادة القبائل.

لكن «حتى في تلك المراحل المبكرة، كانت الثقافة أمراً بالغ الأهمية، كانت قوة» استعان بها الساموراي، وفقاً لروزينا باكلاند.

وأدرك هؤلاء القادة العسكريون للقبائل، الذين كانوا يُدعون «الشوغونات»، أنه لن يستقر لهم الحكم من دون التخلي عن مظهر وعقلية قادة الحرب البدائيين.

ومن ثم، لجأ هؤلاء القادة إلى تعزيز ترسانتهم العسكرية بأسلحة أكثر دقة، كما أقبلوا بالتوازي مع ذلك على ممارسات اجتماعية أكثر تأثيراً في سبيل الوصول إلى السلطة.

وقامت فلسفة الساموراي على أساس مبادئ كونفوشيوس الصينية، فعمدوا إلى «تحقيق الموازنة بين القوة العسكرية الصلبة والمهارة الثقافية فيما يُعرف بالقوة الناعمة»، بحسب باكلاند.

وإلى جانب إتقان مهارات الحرب، اكتسب الساموراي مهارات فنية في التصوير والشعر والموسيقى والمسرح وحتى طقوس الشاي.

وثمة لوحة تصوّر مروحة يدوية عليها زهور الأوركيد، تعود إلى القرن التاسع عشر، وهي من أعمال فنان من طبقة الساموراي، ولعلها من أجمل القطع الفنية التي يضمها معرض المتحف البريطاني.

توكوغاوا.. نهاية الحروب وبداية عصر جديد

يجري حالياً إنتاج الموسم الثاني من مسلسل «شوغن» التلفزيوني الذي يصور مرحلة مفصلية من تاريخ الساموراي، حيث نجح توكوغاوا إياسو، زعيم إحدى القبائل، في تشكيل حكومة باشرت أعمالها بنجاح، ليستمر هذا النظام في الحكم على مدى 250 عاماً.

وكان توكوغاوا قد انتصر في معركة سيكيغاهارا ليوحّد صفوف اليابانيين، ويُسدل الستار على عصور الحروب الأهلية.

ومع عدم وجود معارك كبرى في البلاد، بدأ الساموراي عهداً جديداً تفرغوا فيه لإدارة شؤون الدولة، بعدما قضوا زمناً في إدارة فنون القتال.

نساء الساموراي.. نفوذ متزايد في دوائر السلطة

في ظل دولة توكوغاوا، المعروفة باسم «شوغونية توكوغاوا»، عاشت طبقة النبلاء في العاصمة إيدو، المعروفة اليوم باسم طوكيو، فكانوا بذلك قريبين من بلاط الحاكم وتحت قبضته دائماً، في محاولة لفرض الطاعة والولاء للساموراي، وفقاً لروزينا باكلاند.

وقالت باكلاند: «فلا يمكنك، إذا كنت بعيداً، أن تسعى لتدبير المكائد بينما زوجتك وأولادك في قبضة السلطان».

وكانت نتيجة ذلك زيادة نفوذ النساء في دوائر السلطة؛ فكانت نساء الساموراي يشرفن على عمل الموظفين والحرفيين، إلى جانب الإشراف على تربية النشء، كما أتقنّ فنون الضيافة، وفق ما تدل عليه الرسوم والكتابات التي يضمها معرض الساموراي في المتحف البريطاني.

وفي ظل دولة أو «شوغونية توكوغاوا»، عكف مبدعو المسرحيات والقصائد والأعمال الفنية على تمجيد ماضي الساموراي، مؤكدين شجاعتهم وإقدامهم وولاءهم، ولم يكن هذا التمجيد قاصراً على رجال الساموراي، بل امتد أيضاً ليشمل النساء.

وتُظهر مطبوعة خشبية تعود إلى عام 1852 إحدى نساء الساموراي، وتُدعى توموي غوزين، وهي زوجة أحد جنرالات قبيلة ميناموتو، بينما كانت تشارك في معركة أوازو التي دارت رحاها عام 1184.

وتقول المطبوعة إن توموي غوزين تعقبت المحارب الرهيب هاتشيرو موريشيغه، قبل أن تقتلع رأسه بيديها القويتين.

النهضة.. نهاية طبقة الساموراي

في عهد الإمبراطور ميجي، وبعد انتهاء شوغونية توكوغاوا، فتحت اليابان أبوابها أمام التجارة الدولية، وبدأت في تحديث مؤسساتها الصناعية والعسكرية والاجتماعية.

ومن بين التغييرات التي صاحبت هذه الفترة القضاء على طبقة الساموراي عام 1869، فيما اعتُبر نقطة مفصلية أخرى في تاريخهم.

وترى روزينا باكلاند أن تاريخ الساموراي منذ تلك النقطة تحديداً أصبح أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع.

وخارج اليابان، كان هناك غرام بحكايات الساموراي، لتكتسب مؤلفات مثل كتاب «روح اليابان» الصادر عام 1899 بقلم نيتوبه إينازو شهرة واسعة.

وتذكر باكلاند أن الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت اقتنى عدداً من نسخ هذا الكتاب، وأهدى بعض هذه النسخ إلى أصدقائه.

ويوضح الكتاب أسباب نجاح اليابان التي كانت قد انتصرت على الصين والسوفييت.

وعلى مدار القرن العشرين، شُوّهت صورة الساموراي لأغراض مختلفة، إذ أصبح الساموراي رمزاً لهوية الإنسان الياباني.

من الساموراي إلى هوليوود و«حرب النجوم»

بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، عادت الحكايات تُنسج من جديد حول الساموراي، ولكن هذه المرة في صورة سيناريوهات للأفلام السينمائية.

ولعل أبرز مخرجي هذه الأفلام هو أكيرا كوروساوا، صاحب فيلم «الساموراي السبعة» عام 1954، الذي استُلهم منه فيلم «العظماء السبعة» الصادر عام 1960.

وفيما بعد، اتجهت هوليوود إلى إنتاج أفلام عن الساموراي، على غرار «الساموراي الأخير» عام 2003، و**«47 رونين»** الصادر عام 2013.

وكما يوضح معرض الساموراي في المتحف البريطاني، فإن فيلم «أمل جديد» الصادر عام 1977 مُستلهم من قصة فيلم «القلعة المخفية» الصادر عام 1958 للمخرج أكيرا كوروساوا، ويظهر التأثر في أزياء الفيلم بدرع الساموراي، ولا سيما في زي شخصية دارث فيدر.

وتستمر فعاليات معرض الساموراي في المتحف البريطاني في لندن حتى الرابع من مايو/أيار المقبل.

الساموراي.. بين الحقيقة والأسطورة

إن القصة الحقيقية للساموراي هي قصة تطور طبقة اجتماعية، بدأت كمرتزقة، ثم وصلت إلى الحكم، قبل أن تتحول إلى طبقة راعية للفنون والثقافة.

وفي النهاية، تظل أسطورة الساموراي مصدراً لا ينضب للغموض والإدهاش رغم مرور الزمن، فيما تكشف حقيقتهم التاريخية عن صورة أكثر تعقيداً من تلك التي كرّستها السينما والثقافة الشعبية.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات