أعلنت شركة «فيزيكال سوبرإنتليجنس» (Physical Superintelligence) الأميركية نجاح نظام بحثي يعتمد على نموذج ذكاء اصطناعي غير متاح للعامة من شركة «أنثروبيك» (Anthropic) في التوصل إلى إثبات رياضي لحدسية في الحوسبة الكمومية ظلت دون حل منذ عام 2008، وذلك خلال ثلاثة أيام فقط، في إنجاز قد يعيد رسم حدود العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي.
وبحسب تقرير نشره موقع «بيزنس إنسايدر» (Business Insider)، فإن الإنجاز يتعلق بحدسية «آرونسون–أمبينيس» (Aaronson–Ambainis)، التي تتناول الظروف التي تستطيع فيها الحواسيب الكمومية تحقيق تفوق كبير على الحواسيب التقليدية.
تُعد حدسية آرونسون–أمبينيس من المسائل الأساسية في نظرية تعقيد الحوسبة الكمومية، وقد طُرحت عام 2008 لتفسير حدود التفوق الذي يمكن أن تحققه الحواسيب الكمومية على نظيرتها التقليدية.
وتتمحور المسألة حول ما إذا كانت الحواسيب الكمومية تستطيع تحقيق تسارع هائل عند معالجة مدخلات عشوائية لا تتضمن أنماطاً أو بنى رياضية خاصة.
وظلت هذه المسألة مفتوحة لسنوات طويلة، رغم التقدم الذي شهده مجال الحوسبة الكمومية وتطور الخوارزميات المصممة للاستفادة من خصائصها.
أعلنت شركة «فيزيكال سوبرإنتليجنس»، الجمعة 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، أن نظاماً بحثياً طورته داخلياً، مستعيناً بنموذج غير منشور للعامة من شركة أنثروبيك، نجح في التوصل إلى إثبات كامل للحدسية خلال اليوم الثالث من تشغيله.
وطور النظام ديفيد تورتوريان، أحد أعضاء الفريق التقني في الشركة، بهدف توظيف قدرات الذكاء الاصطناعي في معالجة مسائل علمية ورياضية معقدة.
واستخدم الباحثون برنامج «Lean»، وهو مساعد لإثبات النظريات الرياضية يتحقق حاسوبياً من صحة خطوات البرهان، وقد قبل البرنامج الإثبات الذي أنتجه النظام البحثي.
ولم تكتف الشركة بالنتيجة الأولية، إذ واصل النظام العمل على مسائل مرتبطة بالحدسية، وتمكن من تحسين البرهان مرتين إضافيتين، مع اجتياز النسخ المحسنة عمليات التحقق باستخدام Lean.
تشير نتائج البحث إلى أن بعض أشكال التفوق الكمومي الهائل تعتمد على وجود أنماط أو تراكيب رياضية محددة في المسائل التي تعالجها الحواسيب.
ويعني ذلك أن الحوسبة الكمومية لا تحقق بالضرورة تسارعاً استثنائياً في جميع أنواع المسائل، خصوصاً تلك التي تعتمد على مدخلات عشوائية تفتقر إلى البنية المطلوبة.
وبحسب الشركة، يدعم الإثبات فكرة طالما ناقشها الباحثون، وهي أن للحواسيب الكمومية حدوداً نظرية، رغم قدرتها على تحقيق مزايا كبيرة في مهام معينة.
ولا يعني ذلك أن الحوسبة الكمومية فقدت أهميتها، بل يساعد على توضيح المجالات التي يمكن أن تستفيد بصورة أكبر من قدراتها مقارنة بالحوسبة التقليدية.
حظي الإثبات باهتمام باحثين سبق لهم العمل على جوانب من حدسية آرونسون–أمبينيس.
ونقلت شركة «فيزيكال سوبرإنتليجنس» عن أربعة باحثين من جامعة ستانفورد، هم غاي بلانك، وجوردان دوكتر، وكارمن ستراسلي، ولي-يانغ تان، وصفهم النتيجة بأنها إنجاز كبير يحسم حدسية ظلت مفتوحة لعقود.
وأشار الباحثون إلى أن البرهان يجمع بين أفكار من مجالات رياضية مختلفة، بينها تحليل الدوال البولينية والتوافقيات الاحتمالية، للوصول إلى نتيجة متكاملة.
وكان الباحثون الأربعة قد توصلوا سابقاً إلى نتيجة تتعلق بحالة خاصة من المسألة، قبل إعلان الإثبات الجديد للحدسية بصورتها العامة.
يأتي هذا التطور ضمن سلسلة من الإنجازات التي أعلنتها شركات الذكاء الاصطناعي في مجال البحث الرياضي.
ففي أيلول/سبتمبر 2026، أعلنت شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) توصل نظام ذكاء اصطناعي داخلي إلى حل لمسألة رياضية شهيرة تتعلق بوجود الحلول وانتظامها في معادلات «نافيير–ستوكس» (Navier–Stokes)، التي تصف حركة السوائل.
ونشرت الشركة برهاناً رياضياً ونسخة رسمية قابلة للتحقق باستخدام Lean، في خطوة حظيت باهتمام واسع من المجتمع العلمي.
وتسلط هذه التطورات الضوء على الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في معالجة المسائل التي تتطلب استدلالاً رياضياً معقداً، وليس مجرد إجراء العمليات الحسابية أو تحليل البيانات.
أثارت الإنجازات المتسارعة تساؤلات بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي في مستقبل البحث الرياضي والمهن الأكاديمية المرتبطة به.
وكان عالم الرياضيات البارز تيرينس تاو، الأستاذ في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، قد أشار إلى أن الرياضيات تدخل مرحلة جديدة تتيح إمكانات علمية غير مسبوقة، لكنها قد تغير بعض جوانب الممارسة البحثية التقليدية.
وفي السياق ذاته، أشار استطلاع أجراه باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وشمل طلاب دراسات عليا وباحثين في مرحلة ما بعد الدكتوراه، إلى أن 76% من المشاركين لا يرجحون الاستمرار في الرياضيات الأكاديمية بعد التخرج، فيما أفادت نسبة مماثلة بأن تطورات الذكاء الاصطناعي قللت دافعهم لإجراء الأبحاث.
وتعكس هذه النتائج حجم النقاش الدائر حول كيفية تحول دور الباحث البشري مع تطور الأنظمة القادرة على المساهمة في إنتاج البراهين الرياضية.
رغم الإعلان عن الإنجاز، لم تكشف شركة «فيزيكال سوبرإنتليجنس» هوية النموذج غير المتاح للعامة الذي استخدمته من أنثروبيك.
كما لم تقدم أنثروبيك تعليقاً على استفسار موقع «بيزنس إنسايدر» بشأن النموذج، وفقاً للتقرير.
ونشرت الشركة البحث الرياضي والملفات البرمجية المتعلقة بالبرهان، بما يتيح للمتخصصين دراستها والتحقق منها.
يمثل إثبات حدسية آرونسون–أمبينيس تطوراً مهماً في توظيف الذكاء الاصطناعي لمعالجة المشكلات العلمية المعقدة، خصوصاً مع استخدام أدوات تحقق رياضي حاسوبية.
ورغم أن الحواسيب الكمومية لا تزال في مراحل تطورها الأولى، فإن النتائج الجديدة تساعد على فهم الحدود النظرية لقدراتها والمجالات التي يمكن أن تحقق فيها تفوقاً كبيراً.
ويفتح هذا الإنجاز الباب أمام أسئلة أوسع بشأن مستقبل التعاون بين العلماء وأنظمة الذكاء الاصطناعي، ومدى قدرة هذه الأنظمة على تسريع الاكتشافات الرياضية والعلمية خلال السنوات المقبلة.