يضم التاريخ العديد من الألغاز التي ما تزال عصية على التفسير، ويُعد اختفاء مستعمرة رونوك البريطانية من أشهر تلك القضايا في الولايات المتحدة، إذ لا يزال مصير أكثر من 100 مستوطن مجهولاً بعد مرور أكثر من أربعة قرون على اختفائهم.
تعود أحداث القصة إلى أواخر القرن السادس عشر، وتحديداً إلى مستعمرة رونوك، التي تُعد أول مستعمرة بريطانية أُنشئت في القارة الأمريكية.
وقبل ثلاث سنوات من حادثة الاختفاء الشهيرة، وصل الرسام ورسام الخرائط جون وايت إلى المنطقة ضمن بعثة استكشافية هدفت إلى رسم الخرائط واستكشاف الأراضي الجديدة. إلا أن المهمة كانت محفوفة بالمخاطر بسبب الصراع الدائر بين المستوطنين البريطانيين والسكان الأصليين، ما جعل فرص النجاة محدودة.
ورغم الظروف الصعبة، عاد وايت إلى المستعمرة عام 1587 بعدما عُيّن حاكماً لها، وأقنع أفراد عائلته بالانضمام إلى الرحلة، لينطلق برفقة زوجته وابنته و115 مستوطناً آخرين، بينهم نساء وأطفال، في محاولة لتأسيس مجتمع دائم.
واجه المستوطنون أوضاعاً قاسية منذ وصولهم، إذ قُتل نحو 15 شخصاً على يد السكان الأصليين، بعدما شن أحد المستوطنين هجوماً على إحدى القبائل التي كانت مسالمة، وفقاً لما أورده موقع “National Geographic”.
ورغم ذلك، شهدت المستعمرة حدثاً تاريخياً بولادة أول طفلة إنجليزية في العالم الجديد، ما منح المستوطنين أملاً باستقرار الأوضاع، قبل أن تعصف بهم أزمة نقص الإمدادات.
مع نفاد المؤن، اضطر جون وايت إلى العودة إلى إنجلترا لجلب الإمدادات، رغم تردده في ترك عائلته وحفيدته الوليدة.
لكن فور وصوله، اندلعت الحرب بين إنجلترا وإسبانيا، وأمرت الملكة إليزابيث الأولى بمنع السفن البريطانية من مغادرة الموانئ استعداداً لمواجهة الأسطول الإسباني، الأمر الذي حال دون عودته إلى رونوك في الموعد المخطط.
وبعد محاولات عدة، تمكن وايت من تأمين سفينتين صغيرتين للإبحار عبر المحيط الأطلسي، إلا أنهما تعرضتا لهجوم من قراصنة فرنسيين استولوا على الإمدادات المخصصة للمستعمرة، ما تسبب في تأخير جديد.
ولم يتمكن وايت من العودة إلى رونوك إلا بعد عامين إضافيين، عقب انتهاء خطر الأسطول الإسباني.
عند وصوله إلى رونوك، وجد وايت المستعمرة خالية تماماً من سكانها، ولم يعثر على أي آثار لمعركة أو هجوم، كما اختفت القوارب أيضاً، في حين بدت المباني مهجورة.
وكان الدليل الوحيد الذي عثر عليه عبارة عن كلمة منحوتة على جذع شجرة هي “Croatoan”، وهو اسم إحدى قبائل السكان الأصليين في المنطقة، ما دفع الباحثين إلى الاعتقاد بأن المستوطنين ربما انتقلوا للعيش معها.
تذهب إحدى الفرضيات إلى أن المستوطنين اندمجوا مع قبائل السكان الأصليين بعد نفاد الإمدادات، بينما تشير فرضية أخرى إلى أنهم قضوا بسبب المجاعة أو الأمراض التي انتشرت نتيجة سوء التغذية والعزلة.
وخلال القرن التاسع عشر، ادعت بعض قبائل ولاية كارولينا الشمالية أنها تنحدر من مستوطني رونوك، إلا أن هذه المزاعم لم تتمكن الدراسات التاريخية من إثباتها بشكل قاطع.
وكشفت حفريات أُجريت في جزيرة هاتيراس، التي كانت تُعرف سابقاً باسم “Croatoan”، عن عدد من القطع الأثرية المثيرة للاهتمام، لكنها لم تقدم دليلاً حاسماً يربطها بالمستعمرة المفقودة.
ويرى باحثون أن تآكل السواحل على مدى أكثر من 400 عام ربما أدى إلى اختفاء معظم الأدلة، فيما أعاد اكتشاف رقعة مخفية على إحدى خرائط جون وايت الأمل لعلماء الآثار، إذ يُعتقد أنها قد تشير إلى موقع حصن أو معسكر لم يُنقب عنه حتى الآن.
وفي موازاة ذلك، اتجهت فرق بحثية إلى دراسة الحمض النووي لسكان المنطقة الحاليين، من خلال مقارنة عينات لأشخاص من أصول أمريكية أصلية وآخرين يحملون ألقاباً مرتبطة بمستوطني رونوك، أملاً في كشف مصير المستعمرة وإنهاء أحد أكثر ألغاز التاريخ غموضاً.