الوضع الداكن
تاريخ - ماي فلاور الآلية.. قصة سفينة عبرت الأطلسي بلا قبطان
نشر بتاريخ 2026/09/17 4:56 مساءً
5 مشاهدة

بعد أكثر من أربعة قرون على الرحلة التاريخية لسفينة «ماي فلاور» عبر المحيط الأطلسي، حملت سفينة حديثة الاسم نفسه وخاضت تجربة مختلفة تمامًا، إذ عبرت المحيط من دون قبطان أو طاقم بشري على متنها، معتمدة على الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار لاتخاذ قرارات الملاحة في عرض البحر.


تابعونا على التليكرام


السفينة المعروفة باسم «Mayflower Autonomous Ship» أو «MAS400» انطلقت من بليموث البريطانية، وبعد نحو 40 يومًا في البحر وصلت إلى هاليفاكس بمقاطعة نوفا سكوشا الكندية في 5 يونيو 2022، قاطعة آلاف الأميال عبر الأطلسي.

سفينة بلا قبطان

طُورت «ماي فلاور» الآلية لتكون منصة بحرية مستقلة قادرة على الإبحار واتخاذ مجموعة من القرارات من دون وجود طاقم على متنها.

واعتمدت السفينة على تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والحوسبة الطرفية، إلى جانب شبكة من الكاميرات وأجهزة الاستشعار التي تراقب البيئة المحيطة بها باستمرار.

وكانت السفينة قادرة على تحديد موقعها، ورصد المخاطر والعوائق، وتقييم الظروف البحرية، واتخاذ قرارات تتعلق بالمسار وفق البيانات التي تجمعها أثناء الرحلة.

عطل يغيّر وجهتها

لم تسر الرحلة بالكامل وفق الخطة الموضوعة مسبقًا.

فقد كان من المخطط أن تتوجه السفينة إلى الولايات المتحدة، لكنها غيرت وجهتها إلى هاليفاكس في كندا بسبب مشكلة فنية مرتبطة بنظام تشغيل أحد المحركات، ما أتاح للفريق إجراء أعمال الصيانة اللازمة.

ومثّل وصولها إلى كندا محطة مهمة في المشروع، بعدما تمكنت من اجتياز المحيط الأطلسي من دون وجود بشر على متنها.

ذكاء اصطناعي يقود السفينة

اعتمدت السفينة على ما وصفه مطوروها بـ«قبطان الذكاء الاصطناعي»، وهو منظومة تجمع البيانات من مصادر متعددة وتحللها لاتخاذ القرارات المتعلقة بالملاحة.

وزُودت «ماي فلاور» بست كاميرات مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي وأكثر من 30 جهاز استشعار، إلى جانب أنظمة رادار وسونار و«ليدار» ونظام تحديد المواقع العالمي GPS.

كما احتوت على كاميرات بانورامية وأجهزة تصوير حراري وأدوات لقياس الرياح والأمواج وحركة السفينة والوقود والظروف الجوية والبحرية.

وسمحت هذه المنظومة للسفينة بتكوين صورة مستمرة عن البيئة المحيطة بها والتعرف إلى بعض العوائق والسفن والمخاطر التي قد تظهر في طريقها.

قرارات في قلب المحيط

كان أحد أبرز أهداف المشروع اختبار قدرة الأنظمة المستقلة على اتخاذ القرارات بعيدًا عن الاتصال الدائم بالبشر.

ففي عرض المحيط، لا يمكن دائمًا الاعتماد على اتصال سريع ومستقر بمراكز التحكم الموجودة على اليابسة.

ولهذا كان على أنظمة السفينة تحليل البيانات محليًا واتخاذ عدد من القرارات في الوقت الحقيقي، مع إمكانية تدخل الفريق البشري في ظروف محددة أو حالات الطوارئ.

مختبر علمي عائم

لم يكن عبور الأطلسي الهدف الوحيد من المشروع.

فقد صُممت السفينة أيضًا لتكون منصة بحثية قادرة على جمع بيانات من مناطق بعيدة من المحيط يصعب أو ترتفع تكلفة الوصول إليها بواسطة السفن البحثية التقليدية.

وخلال رحلتها، جمعت أجهزتها بيانات مرتبطة بالبيئة البحرية ونوعية المياه والظروف الجوية والأمواج.

«لسان إلكتروني» يتذوق مياه المحيط

من أبرز التقنيات التي حملتها السفينة نظام «Hypertaste»، الذي طورته IBM ووُصف بأنه أشبه بـ«لسان إلكتروني».

وتعتمد التقنية على أجهزة استشعار كيميائية وتحليل البيانات للمساعدة في دراسة السوائل، واستُخدمت ضمن المشروع لجمع معلومات عن مياه المحيط.

كما حملت السفينة تقنيات بحثية لدراسة خصائص المياه والبيئة البحرية وجمع بيانات يمكن للباحثين الاستفادة منها في فهم التغيرات التي تحدث في المحيطات.

من رحلة تاريخية إلى أخرى تكنولوجية

استوحى المشروع اسمه من سفينة «ماي فلاور» التي عبرت الأطلسي عام 1620 من إنجلترا إلى أميركا الشمالية.

لكن بعد أكثر من أربعة قرون، أصبحت الرحلة الجديدة اختبارًا لتكنولوجيا مختلفة تمامًا؛ فلا أشرعة تقليدية ولا بحارة على متن السفينة، بل كاميرات وأجهزة استشعار وخوارزميات تتخذ القرارات وسط المحيط.

وجاء المشروع نتيجة تعاون بين منظمة «ProMare» للأبحاث البحرية وIBM، بمشاركة شبكة من الشركاء والباحثين.

مستقبل السفن ذاتية القيادة

سبقت تجربة «ماي فلاور» ورافقتها مشاريع أخرى لاختبار السفن المستقلة في المجالات البحثية والتجارية والعسكرية.

لكن أهمية التجربة تكمن في الجمع بين الملاحة الذاتية والذكاء الاصطناعي والأبحاث البيئية داخل منصة بحرية واحدة غير مأهولة.

وقد تفتح مثل هذه التقنيات الباب أمام استخدام سفن صغيرة مستقلة في جمع البيانات من مناطق المحيطات البعيدة والخطرة، مع تقليل الحاجة إلى إرسال أطقم بشرية في رحلات طويلة ومكلفة.

وبين «ماي فلاور» التي عبرت الأطلسي في القرن السابع عشر ونسختها الآلية بعد أكثر من 400 عام، تغيرت أدوات الإبحار جذريًا، بينما ظل المحيط نفسه ميدانًا لاختبار حدود قدرة الإنسان وتقنياته على الوصول إلى المجهول.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات