قبل نحو ألفي عام، كانت بومبي مدينة رومانية نابضة بالحياة عند سفح جبل فيزوف في جنوب إيطاليا، بأسواقها ومنازلها وحماماتها ومعابدها وشوارعها المزدحمة. وعلى مقربة منها، كانت هركولانيوم تضم منازل وفيلات فخمة مطلة على خليج نابولي.
لكن في عام 79 ميلاديًا، تغير كل شيء.
ثار جبل فيزوف بعنف، وأطلق كميات هائلة من الرماد والخفاف والغازات الساخنة، لتتحول المنطقة خلال ساعات إلى مسرح لإحدى أشهر الكوارث الطبيعية في التاريخ القديم.
ودُفنت بومبي وهركولانيوم تحت المواد البركانية، قبل أن تصبح الكارثة نفسها، بعد قرون، سببًا في حفظ تفاصيل استثنائية عن الحياة اليومية في الإمبراطورية الرومانية.
قبل الكارثة، بدا جبل فيزوف بالنسبة إلى السكان جبلًا خصبًا أكثر منه تهديدًا قاتلًا.
وساعدت التربة البركانية الخصبة المحيطة به على ازدهار الزراعة، خصوصًا مزارع الكروم والبساتين، بينما تطورت بومبي إلى مركز حضري وتجاري مهم.
وكانت المدينة لا تزال تتعافى من زلزال مدمر ضرب المنطقة عام 62 ميلاديًا عندما وقع الثوران الكبير بعد نحو 17 عامًا.
بدأت الكارثة بارتفاع عمود هائل من المواد البركانية فوق فيزوف، ثم تساقط الرماد والخفاف على بومبي.
وتراكمت المواد البركانية تدريجيًا في شوارع المدينة وعلى أسطح المباني، حتى تجاوزت طبقة الخفاف في بعض المناطق مترين، ما تسبب في انهيار أسقف وقتل بعض السكان، بينما حاول آخرون الفرار أو الاحتماء داخل المنازل.
ومع استمرار الثوران، أصبحت المرحلة التالية أكثر فتكًا.
فقد اجتاحت المنطقة تدفقات وسحب شديدة الحرارة من الغاز والرماد والمواد البركانية، لتصبح فرص النجاة لمن ظلوا داخل المناطق المنكوبة ضئيلة للغاية.
وبحسب منتزه بومبي الأثري، اجتاحت المدينة في صباح اليوم التالي موجة شديدة من الغاز الساخن والرماد، قبل أن تغطي طبقات الرماد المكان وتحفظ كثيرًا من تفاصيله تحت الأرض.
وصل جانب مهم من تفاصيل الثوران إلى العصر الحديث بفضل بليني الأصغر، الذي شاهد الكارثة من الجانب الآخر لخليج نابولي وكتب عنها لاحقًا في رسائل إلى المؤرخ الروماني تاسيتوس.
أما عمه، بليني الأكبر، عالم الطبيعة والقائد في الأسطول الروماني، فتوجه بحرًا نحو المنطقة خلال الكارثة.
وكانت الرحلة تهدف إلى الاقتراب من موقع الثوران ومساعدة أشخاص عالقين، لكنه توفي خلال الأحداث قرب ستابيا.
وأصبحت رسائل بليني الأصغر من أهم المصادر التاريخية المباشرة التي ساعدت الباحثين على إعادة بناء الساعات التي شهدت ثوران فيزوف.
لسنوات طويلة، اعتُبر 24 أغسطس عام 79 ميلاديًا التاريخ التقليدي لثوران فيزوف، استنادًا إلى مخطوطات رسائل بليني الأصغر.
لكن اكتشافات أثرية أثارت لاحقًا تساؤلات بشأن احتمال وقوع الكارثة في الخريف.
ومن أبرز الأدلة نقش بالفحم عُثر عليه في بومبي ويحمل تاريخًا يوافق 17 أكتوبر، إلى جانب أدلة أخرى مرتبطة بالمحاصيل والملابس والظروف الموسمية.
ومع ذلك، لا يزال النقاش العلمي أكثر تعقيدًا من الجزم بأن الثوران حدث في 24 أكتوبر تحديدًا؛ إذ أوضح منتزه بومبي الأثري في مراجعة حديثة أن أقدم مخطوطات بليني تشير إلى 24 أغسطس، في حين تظل الأدلة الأثرية سببًا لمواصلة النقاش حول التاريخ الفعلي للكارثة.
بعد انتهاء الثوران، تغير المشهد بالكامل.
دُفنت المنازل والشوارع والمتاجر والأغراض اليومية تحت طبقات كثيفة من الرماد والمواد البركانية، وأصبحت بومبي مدينة متوقفة عند لحظة من الزمن.
وتشير تقديرات حديثة لمنتزه بومبي إلى أن عدد الضحايا داخل المدينة ومناطقها غير المنقبة قد يكون في حدود ألفي شخص، من تعداد سكاني يقدر بما لا يقل عن 20 ألف نسمة، مع احتمال وفاة آخرين خارج أسوارها أثناء محاولتهم الفرار.
مرت قرون قبل أن تبدأ بومبي في الظهور مجددًا.
وعُرفت آثار للمدينة في نهاية القرن السادس عشر، لكن أعمال الاستكشاف المنظمة بدأت عام 1748 في عهد الملك كارلوس الثالث، لتبدأ رحلة أثرية استمرت بأشكال مختلفة حتى العصر الحديث.
ومع استمرار الحفريات، ظهرت المنازل والشوارع واللوحات الجدارية والفسيفساء والمتاجر والأواني والأطعمة وغيرها من تفاصيل الحياة اليومية.
ولهذا لا تقتصر أهمية بومبي على المباني الفخمة أو الأعمال الفنية؛ إذ توفر الأشياء اليومية التي تركها السكان وراءهم نافذة نادرة على حياة مدينة رومانية قبل نحو ألفي عام.
من أكثر المشاهد ارتباطًا ببومبي القوالب التي تكشف أوضاع بعض ضحايا الكارثة في لحظاتهم الأخيرة.
فعندما تحللت الأجساد المدفونة داخل الرماد المتصلب، تركت فراغات احتفظت بأشكالها. وفي القرن التاسع عشر، طور عالم الآثار جوزيبي فيوريلي تقنية تقوم على ملء هذه الفراغات بالجص، ما سمح بإظهار هيئة بعض الضحايا.
وأصبحت تلك القوالب واحدة من أكثر الشواهد المؤثرة على حجم الكارثة.
تكمن المفارقة التاريخية في أن الكارثة التي دمرت بومبي ساعدت في الوقت نفسه على حفظها.
فطبقات الرماد والخفاف التي غطت المدينة حفظت المنازل والطرق والمباني العامة والعديد من الأشياء اليومية، لتتحول بومبي بعد قرون إلى سجل استثنائي للحياة الرومانية. ويصف الموقع الأثري الرسمي المدينة بأنها تجمدت في الزمن بفعل ثوران عام 79 ميلاديًا.
وهكذا لم يترك فيزوف خلفه مدينة مدمرة فحسب، بل ترك كبسولة زمنية ضخمة أعادت إلى العالم، بعد قرون، تفاصيل حياة أشخاص لم يكونوا يعلمون أن يومهم العادي سيتحول إلى واحد من أشهر أيام التاريخ.