الوضع الداكن
تاريخ - كيف كان الناس يستيقظون قبل اختراع المنبه؟
نشر بتاريخ 2026/09/19 4:12 مساءً
4 مشاهدة

من بين الاختراعات الحديثة التي نعتمد عليها يوميًا، ربما يكون المنبه واحدًا من أكثرها إزعاجًا، إذ يقطع النوم بصوته كل صباح، رغم أهميته في تنظيم حياتنا ومواعيدنا. لكن كيف كان الناس يستيقظون في الوقت المطلوب قبل ظهور ساعات المنبه الحديثة؟


تابعونا على التليكرام


الشمس أول ساعة عرفها الإنسان

على مر العصور، واجه البشر تحديًا أساسيًا يتمثل في معرفة الوقت وتنظيم ساعات اليوم. ولهذا طوّر المصريون والإغريق القدماء وسائل مختلفة لقياس الزمن، من بينها الساعات الشمسية والمسلات التي تعتمد على حركة الظل مع تغير موقع الشمس، ويعود استخدام بعض هذه الوسائل إلى نحو 1500 قبل الميلاد.

ومع مرور الزمن، ظهرت وسائل أخرى لقياس الوقت، مثل الساعات المائية والرملية والمصابيح الزيتية، التي اعتمدت على تدفق الماء أو الرمل أو استهلاك الزيت لتقدير مرور الساعات.

ومن هذه الابتكارات المبكرة، ظهرت محاولات لاستخدام أدوات قياس الوقت كوسيلة لإيقاظ النائمين.

الساعة البيولوجية.. منبه الإنسان الطبيعي

قبل وجود أي وسيلة ميكانيكية، اعتمد الإنسان بصورة أساسية على ساعته البيولوجية الداخلية.

وتوضح الباحثة في النوم وعلم النفس ميليندا جاكسون، من معهد ملبورن الملكي للتكنولوجيا في أستراليا، أن نمط النوم والاستيقاظ الطبيعي لدى الإنسان يرتبط بعمليتين بيولوجيتين أساسيتين، هما التوازن الداخلي وإيقاعات الساعة البيولوجية.

فكلما طالت فترة بقاء الإنسان مستيقظًا، ازدادت حاجته إلى النوم، بينما يتراجع هذا الدافع تدريجيًا أثناء النوم طوال الليل، إلى أن يقترب موعد الاستيقاظ.

وفي الوقت نفسه، تعمل الساعة البيولوجية على تنظيم مراحل النعاس واليقظة خلال اليوم، وتتأثر بالضوء والظلام، ما يجعل الاستيقاظ مرتبطًا عادة بضوء الصباح والنوم بظلام الليل.

ولهذا يُرجح أن البشر، في عصر ما قبل المنبهات، كانوا يستيقظون بفعل تفاعل ساعات النوم التي حصلوا عليها مع إشارات البيئة الطبيعية، وفي مقدمتها ضوء الشمس.

ساعة الشمع والمسامير

لم يكن الاعتماد على الساعة البيولوجية وضوء الشمس مضمونًا دائمًا، لذلك ظهرت بمرور الوقت وسائل أكثر ابتكارًا للاستيقاظ.

ومن بينها ما يُعرف بـ”ساعة الشمع”، التي استخدم فيها الشمع إلى جانب مسامير معدنية. ومع احتراق الشمعة وذوبانها تدريجيًا، تسقط المسامير المثبتة فيها على صينية معدنية موضوعة أسفلها، محدثة صوتًا يمكنه إيقاظ النائم.

الساعات المائية كوسيلة للاستيقاظ

استخدمت الساعات المائية منذ العصور القديمة لقياس مرور الزمن، كما استُخدمت بعض تصميماتها بوصفها وسيلة للتنبيه.

وكانت بعض هذه الأجهزة تعتمد على تدفق الماء حتى وصوله إلى مستوى معين، ما يؤدي إلى تشغيل آلية تصدر صوتًا مرتفعًا.

وتشير روايات تاريخية إلى أن الفيلسوف اليوناني أفلاطون استخدم في القرن الرابع قبل الميلاد نظامًا مائيًا للتنبيه، في مثال مبكر على محاولة توظيف أدوات قياس الزمن للاستيقاظ في موعد محدد.

الشمس وأصوات الطبيعة وأجراس الكنائس

وفي دراستها لممارسات النوم التاريخية في بريطانيا، وجدت الباحثة ساشا هاندلي، المتخصصة في التاريخ الحديث المبكر بجامعة مانشستر، أن بعض الناس كانوا يوجهون أسرّتهم نحو الشرق، حيث تشرق الشمس.

وكان لهذا الأمر بُعد ديني في المجتمعات المسيحية، إذ ارتبط الشرق لديهم بمعتقدات دينية، لكنه ربما ساعد أيضًا على الاستيقاظ مع دخول أشعة الشمس إلى المنازل.

كما أن المنازل القديمة لم تكن معزولة عن الأصوات الخارجية كما هي الحال في كثير من المنازل الحديثة، ولذلك لعبت أصوات البيئة المحيطة دورًا طبيعيًا في إيقاظ الناس.

وفي المجتمعات الزراعية، كانت أصوات الديوك والحيوانات التي تنتظر الحلب جزءًا من المشهد الصباحي، فيما أدت أجراس الكنائس في مناطق غربية دورًا مشابهًا لساعات التنبيه.

“المنبه البشري”.. مهنة لإيقاظ النائمين

ومع تغير أنماط الحياة، ظهرت في بريطانيا مهنة غريبة عُرفت باسم “المنبه البشري”، إذ كان أشخاص يتولون مهمة إيقاظ العمال وغيرهم في الصباح.

وكان العامل يحمل عصًا أو قصبة طويلة يستخدمها للطرق على نوافذ الزبائن في الموعد المتفق عليه، حتى يتأكد من استيقاظهم.

واستمرت هذه المهنة حتى العقود الأولى من القرن العشرين، قبل أن تتراجع تدريجيًا مع انتشار ساعات المنبه الميكانيكية على نطاق أوسع.

من ليفي هاتشينز إلى المنبه القابل للضبط

يُنسب إلى الأمريكي ليفي هاتشينز صنع إحدى أولى ساعات المنبه الميكانيكية المعروفة عام 1787. وقد صمم جهازه الشخصي لإيقاظه عند الساعة الرابعة صباحًا، لكنه لم يسجل براءة اختراع له.

وكان جهاز هاتشينز محدودًا، إذ صُمم لإطلاق التنبيه في وقت محدد سلفًا، وليس في ساعة يختارها المستخدم كل يوم.

وبعد عقود، حصل الفرنسي أنطوان ريدير عام 1847 على براءة اختراع لساعة منبه قابلة للضبط، ما أتاح للمستخدم تحديد الوقت الذي يريد الاستيقاظ فيه.

وفي عام 1876، سجل الأمريكي سيث إي توماس براءة اختراع لنسخته الخاصة من ساعة المنبه، وأصبحت الشركة التي تحمل اسمه لاحقًا من الشركات المعروفة في صناعة الساعات.

من منبه الراديو إلى الهاتف الذكي

رغم انتشار ساعات المنبه الميكانيكية، استمر بعض سكان بريطانيا وأيرلندا في الاعتماد على العامل البشري الذي يطرق النوافذ صباحًا، قبل أن تتلاشى هذه المهنة تدريجيًا خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين.

وفي منتصف القرن العشرين، واصلت شركات الساعات تطوير أجهزة التنبيه، فظهرت المنبهات المحمولة المخصصة للسفر، ثم ساعات الراديو التي أتاحت الاستيقاظ على البث الإذاعي بدلًا من صوت الجرس التقليدي.

وبعد رحلة طويلة بدأت بضوء الشمس والساعات المائية والشمع والمسامير، وصل المنبه اليوم إلى الهواتف الذكية، التي أصبحت ترافق الإنسان في معظم تفاصيل حياته اليومية.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات