الوضع الداكن
تاريخ - كيف غيرت الزراعة خريطة الحياة الحيوانية على الأرض؟
نشر بتاريخ 2026/10/03 2:28 مساءً
1 مشاهدة

كشفت دراسة علمية أن الأنشطة البشرية، وفي مقدمتها الزراعة وتدجين الحيوانات واستخدام الأراضي، لعبت دوراً محورياً في إعادة تنظيم مجتمعات الثدييات حول العالم خلال العصر الهولوسيني، الذي بدأ عقب نهاية العصر الجليدي الأخير، لتصبح بصمة الإنسان عاملاً أساسياً في تشكيل التوازنات البيئية.


تابعونا على التليكرام


50 ألف عام من تاريخ الثدييات

اعتمد الباحثون في الدراسة، المنشورة في دورية Biology Letters، على تحليل تجمعات الثدييات المسجلة في أكثر من 350 موقعاً أحفورياً وأثرياً حول العالم، تغطي نحو 50 ألف عام، بهدف تتبع التغيرات التي طرأت على المجتمعات الحيوانية مع تصاعد تأثير الإنسان وانتقاله إلى الزراعة وتدجين الحيوانات.

وقبل توسع الأنشطة الزراعية، كانت تجمعات الثدييات تعكس بدرجة كبيرة الحدود الجغرافية الحيوية المعروفة بين القارات والمناطق المختلفة، إذ احتفظت كل منطقة بمجموعات حيوانية مميزة.

الحيوانات المستأنسة تعيد رسم المشهد

ومع توسع الزراعة وتدجين الحيوانات خلال العصر الهولوسيني، بدأ هذا النمط يتغير، إذ انتشرت أنواع مستأنسة، بينها الأبقار والأغنام والخيول والخنازير، مع المجتمعات البشرية إلى مناطق جديدة.

وأدى انتشار هذه الحيوانات إلى ربط تجمعات حيوانية تفصل بينها مسافات شاسعة، في وقت شهدت فيه مناطق أخرى تراجعاً أو اختفاء أنواع برية محلية.

ويشير عالم الأحياء جون ألوروي، من جامعة ماكواري الأسترالية وأحد المشاركين في الدراسة، إلى أن الحيوانات المستأنسة كان لها تأثير بيئي واضح، خصوصاً الأنواع الكبيرة مثل الخيول والأبقار التي تنافس على الموارد الغذائية عندما توجد بأعداد كبيرة.

تغيير بنية المجتمعات الحيوانية

وللوصول إلى النتائج، اعتمد الباحثون على بيانات وجود الأنواع أو غيابها في المواقع المدروسة، بدلاً من الاستناد إلى أعداد العظام المكتشفة فقط.

كما استخدموا طريقتين لتحليل التجمعات الحيوانية، إحداهما تعتمد بصورة أكبر على تركيب الأنواع، فيما تراعي الأخرى القيود المكانية والجغرافية.

وأظهرت النتائج أن تجمعات الثدييات في أواخر العصر البليستوسيني احتفظت إلى حد كبير بأنماطها القارية المعروفة، لكن استخدام الأراضي وتدجين الحيوانات خلال الهولوسين أعادا تشكيل تلك الأنماط، وأنتجا تجمعات جديدة لم تعد مقيدة بالحدود الجغرافية الحيوية السابقة.

تأثير كبير رغم قلة الأنواع المستأنسة

وأوضحت الدراسة أن انتشار أعداد محدودة نسبياً من الأنواع المستأنسة كان كافياً لإحداث تغير ملموس في طريقة تجمع الحيوانات وتصنيف المجتمعات البيئية.

ويرجع ذلك إلى الانتشار الواسع للحيوانات المنزلية ووجودها بأعداد كبيرة، إلى جانب استهلاكها موارد كانت تستخدمها الحيوانات البرية، ما منحها تأثيراً بيئياً يفوق عدد أنواعها.

الأميركتان الأكثر تأثراً

ولم تحدث هذه التحولات بالمستوى نفسه في جميع أنحاء العالم، إذ أظهرت الدراسة أن معدل تبدل المجتمعات الحيوانية على المستوى المحلي كان مرتفعاً بصورة خاصة في الأميركتين، بينما شهدت مناطق أخرى قدراً أكبر من الاستقرار النسبي.

كما ارتبطت بعض التحولات البيئية باختفاء أنواع كبيرة من الثدييات، في حين حافظت مناطق أخرى على تنوع أكبر من الحيوانات العاشبة والمفترسات المحلية.

إرث بشري مستمر حتى اليوم

وتشير النتائج إلى أن التأثير البشري في الحياة البرية لا يقتصر على موجات انقراض الحيوانات الضخمة في الماضي، بل يمتد إلى إعادة تشكيل البنية نفسها التي تنتظم ضمنها مجتمعات الثدييات.

ويرى الباحثون أن فهم هذا الإرث البيئي ضروري لتفسير الحالة الحالية للتنوع الحيوي، خصوصاً أن مناطق محمية حديثة في أجزاء من أستراليا والأميركتين تفتقد اليوم أكثر من نصف أنواع الثدييات الكبيرة المحلية التي كان يمكن أن توجد فيها لولا التأثيرات البشرية.

وتقدم الدراسة بذلك دليلاً على أن انتقال الإنسان إلى أنماط أكثر كثافة من استخدام الأراضي وتربية الحيوانات لم يغير المجتمعات البشرية فحسب، بل أسهم كذلك في إعادة رسم خريطة الحياة الحيوانية على نطاق عالمي.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات