الوضع الداكن
تاريخ - زنوبيا وأوريليان.. كيف انتهى صراع تدمر مع الإمبراطورية الرومانية؟
نشر بتاريخ 2026/09/11 12:21 مساءً
2 مشاهدة

قلما حظيت ملكة في التاريخ الإنساني بما حظيت به زنوبيا، أو تادي بنت حسن بن أذينة، ملكة تدمر التي حكمت خلال القرن الثالث الميلادي، وتحولت سيرتها إلى واحدة من أشهر قصص الصعود السياسي والعسكري في الشرق القديم.


تابعونا على التليكرام


كانت تدمر واحة غنية في قلب الصحراء السورية، ومركزاً تجارياً مهماً يربط بين قوتين متنافستين: الإمبراطورية الرومانية من جهة، والإمبراطورية الفارسية من جهة أخرى.

وفي القرن الثالث الميلادي، أصبحت المدينة مركزاً للثروة والثقافة والنفوذ، مستفيدة من موقعها بالقرب من الحدود الشرقية للإمبراطورية الرومانية، ومن مرور القوافل التجارية عبرها.

تقع تدمر في وسط سوريا المعاصرة، على بعد نحو 130 ميلاً شمال شرقي دمشق، وقد ازدهرت منذ أن أصبحت تحت السيطرة الرومانية في القرن الأول الميلادي.

وكانت محطة رئيسة للقوافل التي تجتاز الصحراء، وأسهمت الثروات المتدفقة عليها في منح حكامها القدرة على تجميل المدينة وتعزيز مكانتها ونفوذها الإقليمي.

وعرفت المنطقة كذلك بوجود أتباع الديانة المانوية، نسبة إلى ماني (216-276م)، الذي جاء برسالة دينية مختلفة عن الهلينية الوثنية واليهودية والمسيحية، وظلت ديانته مؤثرة خلال القرنين الأولين من ظهور الإسلام.

وعلى رغم قصر المدة التي قضتها زنوبيا في الحكم، فإنها ضمنت لنفسها مكاناً بارزاً في صفحات التاريخ، ولا تزال تذكر باعتبارها واحدة من أشهر الملكات، بعدما جعلت من تدمر قوة كبرى في الشرق الأدنى، فيما ألهم صعودها السريع المؤرخين والفنانين والروائيين على مدى قرون.

فمن هي زنوبيا، الفتاة التي قيل إنها أتقنت عدداً من اللغات؟ وكيف تزوجت حاكم تدمر ووصلت إلى السلطة؟ ولماذا دخلت في مواجهة مع الإمبراطورية الرومانية؟ وهل استطاعت بالفعل مد نفوذها إلى مصر كما تروي بعض المصادر التاريخية؟

البدايات.. الإسكندرية حاضرة في قصة زنوبيا

على رغم قلة المصادر التاريخية التي تتناول مولد زنوبيا، فإن غالب الروايات تشير إلى ولادتها في منطقة تدمر نحو عام 240 ميلادية، وأنها حملت اسم “جوليا أوريليا زنوبيا”.

وكانت سوريا آنذاك مقاطعة خاضعة للإمبراطورية الرومانية، ولذلك عُدت زنوبيا مواطنة رومانية، بعدما كانت عائلة والدها قد حصلت على هذه المكانة في وقت سابق، ربما خلال عهد ماركوس أوريليوس (161-180م).

وتذهب بعض الروايات إلى ربط نسب والدها بجوليا دومنا الشهيرة (170-217م)، المنتمية إلى السلالة السيفيرية في روما.

ومن المرويات المبكرة عن زنوبيا أنها تلقت تعليمها في مدارس الإسكندرية، التي كانت إحدى أبرز حواضر العلم آنذاك، وتعلمت هناك اليونانية واللاتينية، إلى جانب إجادتها المصرية والآرامية.

وتتضمن سيرتها روايات مثيرة، من بينها ادعاؤها أن أصولها تمتد إلى الملكة ديدو، مؤسسة قرطاجة الأسطورية، وإلى كليوباترا السابعة في مصر.

كما تناول المؤرخ الطبري زنوبيا في كتاباته، وروى أنها تولت في صغرها مسؤولية قطعان عائلتها ورعاتها، مما جعلها تعتاد إدارة الرجال.

وتنسب إليه روايات أخرى تتحدث عن تعلمها ركوب الخيل حتى أصبحت بارعة فيه، فضلاً عن قدرتها على التحمل ومواجهة الصعاب، وهي صفات اشتهرت بها لاحقاً. كما رُوي أنها كانت تسير لمسافات طويلة مع قواتها وتمارس الصيد.

ووصف المؤرخ الإنجليزي إدوارد غيبون زنوبيا في كتابه “اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها”، باعتبارها شخصية استثنائية استطاعت تجاوز القيود الاجتماعية السائدة في عصرها.

كما نسبت إليها روايات ادعاء الانتساب إلى الأسرة المقدونية التي حكمت مصر، فيما بالغ بعض المؤرخين في وصف جمالها وشجاعتها، وقارنوها بكليوباترا.

هل كانت زنوبيا وراء مقتل زوجها؟

بحلول عام 258 ميلادية، تزوجت زنوبيا، وهي في سن مبكرة، من لوكيوس سبتيموس أوديناثوس، المعروف عربياً باسم أذينة، حاكم تدمر، وأنجبت منه ولدين هما فابالاثوس وحيران الثاني.

ولم تكن زنوبيا الزوجة الأولى لأذينة، لكنها كانت قريبة منه ورافقته، بحسب الروايات، في عدد من حملاته العسكرية.

كما كانت قريبة من شؤون الحكم، وهو ما أكسبها خبرة سياسية وعسكرية ظهرت آثارها بوضوح بعد وصولها إلى السلطة.

وكان أذينة محارباً بارزاً وحليفاً لروما، وأسهم في مواجهة الفرس الساسانيين وطردهم من أراضٍ رومانية كانوا قد استولوا عليها عام 260 ميلادية، كما أخمد تمرداً ضد الإمبراطورية في الشرق عام 261، قبل أن تقوده حملاته إلى مشارف العاصمة الفارسية عام 262.

ومنحته انتصاراته مكانة كبيرة، قبل أن يتخذ لنفسه لقب “ملك”، في وقت كانت روما تعاني أزمات داخلية وحروباً وضغوطاً اقتصادية وعسكرية.

لكن أذينة وابنه حيران الأول، من زوجته الأولى، اغتيلا بعد عودته من إحدى الحملات العسكرية في الأناضول.

وأثار مقتله تساؤلات تاريخية حول احتمال تورط زنوبيا في الاغتيال بهدف الوصول إلى العرش، وهي رواية ظلت موضع جدل ولم تحسمها المصادر بصورة قاطعة.

ملكة توطد نفوذها في الشرق

بعد اغتيال أذينة، لم تواجه زنوبيا معارضة سياسية كبيرة عند انتقال السلطة، لكنها لم تقدم نفسها بوصفها الحاكم المنفرد، وإنما باعتبارها وصية على ابنها الصغير فابالاثوس، الذي ورث ألقاب والده.

وخلال سنوات حكمها القليلة، استغلت زنوبيا ضعف الإمبراطورية الرومانية وانشغالها بصراعاتها وحروبها في أوروبا، وبدأت توسيع مناطق نفوذ تدمر.

وامتد سلطانها إلى سوريا وشمال بلاد ما بين النهرين ومناطق من فلسطين، فيما تتحدث المصادر عن وصول قواتها إلى مصر، لتتشكل بذلك مملكة واسعة امتدت من وسط الأناضول شمالاً إلى جنوب مصر.

وأظهرت زنوبيا قدرة سياسية على استقطاب النخب الشرقية ومنحها مواقع مهمة في إدارة مملكتها، كما عُرفت بسياسة أكثر انفتاحاً تجاه الجماعات الدينية المختلفة.

وسعت إلى استيعاب الطبيعة المتعددة الأعراق والثقافات والأديان لمملكتها، وعاملت رجال الدين باحترام، ومنحت الأقليات مساحة لممارسة شعائرها وإقامة دور العبادة.

وكانت تدمر نفسها مدينة متعددة الثقافات واللغات، امتزج فيها المكون السامي الشرقي بالتأثير الهلنستي، وهو واقع انعكس على طبيعة الحكم الذي أقامته زنوبيا.

الطموح يقود إلى الصدام مع روما

توسعت طموحات زنوبيا السياسية إلى حد السعي لترسيخ موقع ابنها إلى جانب السلطة الإمبراطورية الرومانية.

وفي كتاب “أعداء روما”، يشير آني وموريس سارتر إلى أن زنوبيا منحت نفسها لقب الإمبراطورة، وحولت تدمر إلى أحد مراكز القوة السياسية والعسكرية في الشرق.

كما قارنت الكاتبة الفرنسية فيولين فانويكي، في كتابها “زنوبيا وريثة كليوباترا”، مسيرة ملكة تدمر بسيرة ملكات بارزات في التاريخ المصري القديم، ومن بينهن حتشبسوت وكليوباترا.

وفي ظل الصراع بين الرومان والفرس، برزت تدمر بوصفها قوة تتوسط الإمبراطوريتين، مستفيدة من موقعها على طرق التجارة.

وطَمحت زنوبيا إلى جعل ابنها شريكاً في حكم الجزء الشرقي من الإمبراطورية الرومانية، ويُرجح أنها كانت تأمل في التوصل إلى تفاهم مع الإمبراطور الروماني كلوديوس غوثيكوس، لكنه توفي عام 270 ميلادية، وخلفه أوريليان الذي اتخذ سياسة مختلفة تجاه تدمر.

وفي البداية، سكت زنوبيا عملات حملت صورة أوريليان بصفته إمبراطوراً، إلى جانب ابنها فابالاثوس، لكنها أعلنت لاحقاً انفصالها عن الإمبراطورية ونصبت نفسها إمبراطورة مستقلة.

لم يتسامح أوريليان مع هذا التحدي، فبدأ التحرك لاستعادة المقاطعات الشرقية التي خضعت لسلطة تدمر، وتمكن من استعادة مصر ومناطق من الأناضول، مما دفع قوات زنوبيا إلى التراجع باتجاه سوريا.

وكان أوريليان مختلفاً عن عدد من أسلافه؛ إذ صعد في المؤسسة العسكرية من جندي إلى قائد، ثم أصبح إمبراطوراً، وظل الطابع العسكري واضحاً في سياسته.

وبحلول عام 272 ميلادية، وبعد أن تعامل مع عدد من التهديدات العسكرية التي واجهت الإمبراطورية، أصبح مستعداً لاستعادة الأراضي الشرقية من زنوبيا.

وتختلف الروايات بشأن وجود مراسلات بين زنوبيا وأوريليان، فيما يرى بعض الباحثين أن الرسائل المنسوبة إليهما في مصادر لاحقة ربما صيغت لإظهار أوريليان بمظهر الحاكم المتسامح في مقابل تصوير زنوبيا بوصفها متحدية ومتعالية.

معركة أنطاكية وبداية النهاية

لم يتوجه أوريليان مباشرة إلى تدمر، بل بدأ بإخضاع المدن والمناطق الواقعة تحت نفوذ زنوبيا في آسيا الصغرى قبل التقدم نحو مركز سلطتها.

وترتبط بهذه الحملة رواية عن مدينة تيانا، إذ قيل إن أوريليان رأى في المنام الفيلسوف أبولونيوس من تيانا يحثه على الرحمة. وعندما دخل المدينة تعامل معها بصورة سلمية.

وساعد هذا النهج، وفق الروايات، في دفع مدن أخرى إلى الاستسلام من دون مقاومة، قبل أن يتقدم الجيش الروماني نحو سوريا.

لكن هزيمة زنوبيا لم تكن سهلة، إذ وقعت مواجهة قرب أنطاكية، تمكن فيها أوريليان من خداع قوات تدمر عبر التظاهر بالتراجع، قبل أن يعيد تنظيم قواته ويهاجم خصومه.

وتمكنت زنوبيا من الانسحاب برفقة قائدها إلى حمص، حيث كانت تمتلك مزيداً من القوات، إضافة إلى خزائنها وكنوزها.

لاحقها أوريليان مجدداً، واندلعت مواجهة أخرى انتهت بانتصار القوات الرومانية وتراجع جيش تدمر.

وبعد الهزيمة، انسحبت زنوبيا إلى داخل أسوار عاصمتها تدمر، واستعدت لمقاومة الجيش الروماني.

وتشير بعض الروايات إلى أنها كانت تراهن على وصول دعم من الفرس، لكن المساعدات لم تصل، فغادرت تدمر برفقة ابنها، وحاولت الوصول إلى الأراضي الفارسية.

وهكذا دخلت مملكة تدمر المرحلة الأخيرة من صراعها مع روما، بعد سنوات قليلة تمكنت خلالها زنوبيا من تحويل مدينة صحراوية مزدهرة إلى قوة سياسية وعسكرية نافست الإمبراطورية الرومانية في شرقها.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات