قبل مئات السنين، في العهد العثماني، لم يكن قرار أداء فريضة الحج بالنسبة لأهالي مدينة بيت المقدس مجرد خطوة شخصية ترتبط بالاستطاعة المادية والصحية، بل كان جزءاً من منظومة إدارية واجتماعية دقيقة تبدأ من المحكمة الشرعية.
فقد كان يتعين على الراغب في أداء المناسك المثول أولاً أمام القاضي الشرعي، للحصول على موافقة رسمية تمنحه إذناً بمغادرة المدينة المقدسة والانضمام إلى قافلة الحج.
وفي قراءة لهذه الرواية التاريخية، يوضح الباحث والمؤرخ إيهاب الجلاد، في حديث للجزيرة، أن الرحلة من أولى القبلتين إلى المسجد الحرام في مكة كانت تخضع لتنظيم دقيق وصارم.
ويؤكد الجلاد أن أعداد الحجاج المقدسيين في ذلك الوقت كانت محدودة، إذ تراوح عدد المسجلين سنوياً بين 20 و50 حاجاً فقط، وهو رقم يعكس حجم الصعوبة والكلفة والمخاطر الأمنية والطبيعية التي كانت ترافق السفر عبر الصحراء لأسابيع طويلة.
وبسبب هذه الظروف، كان لقب “الحاج” يحمل مكانة اجتماعية استثنائية ورفيعة بين الناس.
ويشير الجلاد إلى أن قاضي القدس كان يتولى مراجعة طلبات المتقدمين والتحقق من ظروفهم ومدى أحقيتهم بالسفر.
كما كان يُلزم بعض الراغبين في الحج بأداء قسم مؤكد يثبت عدم أدائهم الفريضة من قبل، وذلك لضمان عدالة توزيع الفرص المتاحة للانضمام إلى القافلة.
وبشأن مسار الرحلة، يبيّن المؤرخ أن الحجاج كانوا يتجهون شمالاً نحو دمشق، للانضواء تحت لواء قافلة “الحج الشامي” الكبرى، التي كانت تعد واحدة من أضخم قوافل العالم الإسلامي في ذلك الوقت.
وكانت هذه القافلة تضم ما بين 40 و50 ألف حاج، بقيادة “أمير الحج”، وترافقها حاميات عسكرية وجنود عثمانيون لتأمين الطريق وحماية الحجاج.
ولم يكن نجاح الدولة العثمانية في إيصال الحجاج وعودتهم بسلام يُنظر إليه من زاوية دينية فقط، بل كان، وفق الجلاد، إنجازاً سياسياً وعسكرياً يعكس قوة الإدارة العثمانية وقدرتها اللوجستية على تنظيم واحدة من أكبر الرحلات الموسمية في العالم الإسلامي.