الوضع الداكن
تاريخ - كيف كان البشر ينامون قديمًا؟ قصة «النوم الأول والثاني» قبل عصر الكهرباء
نشر بتاريخ 2026/08/28 4:59 مساءً
7 مشاهدة

قد يكون الاستيقاظ في منتصف الليل أمرًا مزعجًا لدى كثيرين، لكن شواهد تاريخية وعلمية تشير إلى أن النوم المتواصل طوال الليل لم يكن دائمًا النمط السائد لدى البشر، إذ اعتادت مجتمعات عديدة في الماضي تقسيم الليل إلى مرحلتين من النوم تتخللهما فترة قصيرة من الاستيقاظ.


تابعونا على التليكرام


وتكشف سجلات تاريخية من مناطق مختلفة من العالم أن ما يُعرف بـ”النوم الأول” و”النوم الثاني” كان نمطًا شائعًا لدى بعض المجتمعات قبل انتشار الإضاءة الاصطناعية، وهو ما قد يقدم تفسيرًا مختلفًا للاستيقاظ الليلي الذي يعاني منه البعض اليوم.

النوم الأول والنوم الثاني

تشير كتابات تعود إلى الأدبين اليوناني والروماني القديم إلى عبارات تصف فترة تنتهي عندها مرحلة “النوم الأول”، في إشارة إلى معرفة الناس آنذاك بنمط النوم المقسّم.

وتوضح سجلات تاريخية من أوروبا وأفريقيا وآسيا ومناطق أخرى أن بعض الناس كانوا يخلدون إلى النوم بعد حلول الظلام، ثم يستيقظون قرب منتصف الليل لمدة قد تصل إلى ساعة أو أكثر، قبل العودة إلى “النوم الثاني” حتى الفجر.

وخلال فترة الاستيقاظ، كان البعض يمارس أعمالًا منزلية بسيطة، أو يتفقد النار والحيوانات، فيما كان آخرون يصلّون أو يقرأون أو يتأملون أحلامهم، أو يتحدثون مع أفراد الأسرة والجيران.

لماذا كان الناس ينامون مرتين؟

بحسب تقرير لموقع “ScienceAlert”، ربما ساعد تقسيم الليل إلى مرحلتين على جعل الليالي الطويلة تبدو أقل امتدادًا، خصوصًا خلال فصل الشتاء.

فبدل أن تكون ساعات الليل الطويلة فترة واحدة متواصلة، كان الاستيقاظ في منتصفها يشكل نقطة فاصلة تغير إحساس الإنسان بمرور الوقت.

لكن هذا النمط بدأ يتراجع تدريجيًا خلال القرنين الماضيين، بالتزامن مع انتشار الإضاءة الاصطناعية والتغيرات التي فرضتها الثورة الصناعية على مواعيد العمل والحياة اليومية.

الإضاءة غيرت طريقة نوم البشر

أسهم انتشار المصابيح الزيتية ثم إضاءة الغاز والكهرباء في إطالة ساعات النشاط بعد غروب الشمس، فلم يعد الناس مضطرين إلى النوم مبكرًا كما في السابق.

ومن الناحية البيولوجية، يمكن للضوء في ساعات المساء أن يؤثر في الساعة البيولوجية للجسم ويؤخر إفراز هرمون الميلاتونين، ما يؤدي إلى تأخير موعد الشعور بالنعاس والنوم.

ومع النوم في وقت متأخر، أصبحت فترة النوم أكثر تركيزًا في كتلة واحدة، بدل تقسيمها إلى مرحلتين يفصل بينهما استيقاظ ليلي.

وأظهرت بعض التجارب التي حاكت ليالي الشتاء الطويلة والمظلمة أن المشاركين قد يتجهون إلى النوم على مرحلتين تفصل بينهما فترة هادئة من الاستيقاظ.

كما رصدت دراسة أُجريت عام 2017 في مجتمع زراعي بمدغشقر لا يعتمد على الكهرباء نشاطًا بعد منتصف الليل في نحو نصف الليالي التي شملتها المتابعة، بما يتوافق مع نمط النوم المجزأ.

ضوء الصباح يضبط الساعة البيولوجية

ويلعب الضوء دورًا أساسيًا في تنظيم الإيقاع اليومي للجسم، إذ يساعد الدماغ على تحديد أوقات اليقظة والنوم.

وخلال فصل الشتاء، يؤدي تأخر شروق الشمس وضعف الضوء الصباحي إلى صعوبة أكبر في ضبط الساعة البيولوجية لدى بعض الأشخاص.

ويُعد التعرض لضوء الصباح مهمًا لتنظيم الإيقاع اليومي، إذ يسهم في خفض مستويات الميلاتونين وتعزيز اليقظة، ويساعد الجسم على التكيف مع تغير طول النهار بين الفصول.

الضوء والمزاج يغيران إحساسنا بالوقت

ولمعرفة تأثير الإضاءة في إدراك الزمن، أجرى باحثون تجارب باستخدام بيئات واقع افتراضي بزاوية 360 درجة، تضمنت مشاهد من بريطانيا والسويد بإضاءات وأوقات مختلفة من اليوم.

وشاهد المشاركون ستة مقاطع تبلغ مدة كل منها نحو دقيقتين، ثم طُلب منهم تقدير طول الفترة الزمنية التي مرت.

وأظهرت النتائج أن المشاهد المسائية أو منخفضة الإضاءة بدت للمشاركين أطول زمنًا من المشاهد النهارية والمضيئة.

وكان هذا التأثير أكثر وضوحًا لدى الأشخاص الذين أبلغوا عن مزاج منخفض، ما يشير إلى أن الإضاءة والحالة النفسية يمكن أن تؤثرا في الطريقة التي يدرك بها الدماغ مرور الوقت.

هل الاستيقاظ ليلًا أمر يدعو للقلق؟

يشير متخصصون في النوم إلى أن الاستيقاظ لفترات قصيرة خلال الليل يمكن أن يحدث بصورة طبيعية، خصوصًا عند الانتقال بين مراحل النوم المختلفة.

وقد تصبح المشكلة أكثر إزعاجًا عندما يبدأ الشخص بمراقبة الساعة والتفكير في عدد الساعات المتبقية قبل الاستيقاظ، إذ يمكن للقلق والتركيز على الوقت أن يجعلا الدقائق تبدو أطول ويزيدا صعوبة العودة إلى النوم.

وينصح العلاج السلوكي المعرفي للأرق، عند استمرار اليقظة لنحو 20 دقيقة، بمغادرة السرير وممارسة نشاط هادئ في إضاءة خافتة، مثل القراءة، ثم العودة إلى الفراش عند الشعور بالنعاس مجددًا.

كما ينصح خبراء النوم بتجنب مراقبة الساعة بصورة متكررة خلال فترة الاستيقاظ الليلي، لأن ذلك قد يزيد القلق والتوتر المرتبطين بالنوم.

ومع ذلك، لا يعني التاريخ الطويل للنوم المجزأ أن الاستيقاظ المتكرر أو الأرق المستمر يجب تجاهله، إذ قد تستدعي اضطرابات النوم المزمنة أو المؤثرة في الحياة اليومية استشارة اختصاصي.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات