تبدو مدينة أفاميا الأثرية كأنها شريط طويل من الأعمدة الرخامية المنقوشة التي يزيد عمرها على 2300 عام، ممتدة وسط السهل في مشهد يجسد عراقة الحضارة السورية.
وعادت المدينة الواقعة شمال غربي حماة إلى واجهة الاهتمام الثقافي الدولي أواخر مايو/أيار الماضي، بعد إدراجها ضمن قائمة التراث التابعة لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، وذلك ضمن 9 مواقع سورية أعلنت المديرية العامة للآثار والمتاحف، التابعة للحكومة السورية الانتقالية، تسجيلها في القائمة.
وشملت المواقع المسجلة كلاً من أفاميا، وقلعة دمشق، والجامع الأموي، وقصر العظم، وقلعة صلاح الدين في اللاذقية، في أول تسجيل سوري من نوعه منذ عام 2012.
تقع أفاميا على الضفة الشرقية لنهر العاصي، على بعد نحو 60 كيلومتراً شمال غربي مدينة حماة، وتشرف على سهل الغاب.
وشكلت المدينة إحدى أبرز مدن بلاد الشام القديمة إلى جانب أنطاكية واللاذقية وسلوقية، كما كانت محطة مهمة على طرق التجارة التي ربطت بين البحر المتوسط والمشرق.
وقام سلوقس الأول نيكاتور، أحد قادة الإسكندر المقدوني، بتحصين المدينة وتوسيعها نحو عام 300 قبل الميلاد، وأطلق عليها اسم زوجته الأميرة أباما، قبل أن يضمها القائد الروماني بومبيوس إلى الجمهورية الرومانية عام 64 قبل الميلاد.
ولا يزال شارعها المعمد الشهير، الممتد لمسافة تقارب كيلومترين، شاهداً على تاريخها العريق.
وقال الباحث السوري مصطفى رعدون إن أفاميا تُعد من أبرز المدن التي اشتهرت بفن الفسيفساء، مشيراً إلى أن مدرستها المعمارية تركت بصمات واضحة في معظم مناطق حوض البحر المتوسط، بما في ذلك تونس ومناطق أخرى.
وأضاف أن العديد من لوحات الفسيفساء صُنعت في أفاميا قبل نقلها إلى مواقع مختلفة، لافتاً إلى أن عدداً كبيراً من الكنائس والمباني شُيد بأرضيات فسيفسائية تعود إلى هذا التقليد الفني المميز.
وأوضح رعدون أن أفاميا تكاد تكون المدينة القديمة الوحيدة التي ما تزال تحتفظ بسورها كاملاً، إذ يمتد لمسافة تقارب 7 كيلومترات بأبراجه المختلفة، دون أن تسقط منه أجزاء تُذكر، رغم تعاقب القرون وتغير الظروف.
ومع اندلاع الثورة السورية في مارس/آذار 2011، تعرضت مواقع أثرية عديدة في البلاد لأعمال نهب وتدمير واسعة.
وبحسب تقرير للأمم المتحدة، طالت الأضرار نحو 300 موقع أثري، وكانت آثار أفاميا اليونانية والرومانية من بين أبرز المواقع المتضررة.
تأسست منظمة الإيسيسكو عام 1982 في إطار منظمة التعاون الإسلامي، وتتخذ من العاصمة المغربية الرباط مقراً لها، وتعمل على حماية وصون التراث في الدول الأعضاء.
وترى المديرية العامة للآثار والمتاحف أن تسجيل هذه المواقع يمثل خطوة مهمة نحو استعادة سوريا حضورها الثقافي الدولي بعد سنوات من الغياب، وإعادة إدراج إرثها الحضاري على خريطة التراث العالمي.