الوضع الداكن
تاريخ - شلال الدم في أنتاركتيكا يخفي مياهاً عمرها 1.5 مليون عام
نشر بتاريخ 2026/07/01 3:45 مساءً
1 مشاهدة

وسط الجليد الأبيض في القارة القطبية الجنوبية، يواصل “شلال الدم” إثارة دهشة العلماء، إذ إن المياه الحمراء المتدفقة منه ليست دماً ولا طحالب، بل محلولاً ملحياً ظل محبوساً تحت الجليد لأكثر من 1.5 مليون عام. وكشفت دراسة حديثة آلية خروج هذا السائل إلى السطح، في خطوة تقرّب الباحثين من فهم إحدى أكثر الظواهر الطبيعية غرابة في أنتاركتيكا، وقد تسهم أيضاً في البحث عن مؤشرات الحياة خارج الأرض.


تابعونا على التليكرام


ليس دماً ولا طحالب

يقع “شلال الدم” عند الطرف الشمالي لنهر تايلور الجليدي في القارة القطبية الجنوبية، ويتميز بتدفق مياه حمراء داكنة فوق الجليد الأبيض، مع بقائها في الحالة السائلة رغم درجات الحرارة التي تقل كثيراً عن نقطة التجمد.

وعند اكتشاف الموقع عام 1911، اعتقد الجيولوجي الأسترالي غريفيث تايلور أن اللون الأحمر ناتج عن الطحالب، ومن هنا جاءت تسمية “شلال الدم”. إلا أن الدراسات اللاحقة أثبتت أن هذا التفسير لم يكن صحيحاً.

مياه عمرها 1.5 مليون عام

أظهرت الأبحاث أن المياه المتدفقة عبارة عن محلول ملحي شديد الملوحة وغني بالحديد، ظل محبوساً تحت نهر تايلور الجليدي منذ ما لا يقل عن 1.5 مليون عام.

ومع مرور الزمن، ارتفعت ملوحة هذا المحلول إلى درجة مكّنته من البقاء سائلاً رغم البرودة القاسية. وعندما يصل إلى السطح ويتعرض للأكسجين، يتأكسد الحديد الموجود فيه كما يحدث للصدأ، فيتحول لونه إلى الأحمر، مانحاً الشلال مظهره الفريد.

كيف تصل المياه إلى السطح؟

ظل العلماء لعقود عاجزين عن تفسير كيفية انتقال هذه المياه من أعماق الجليد إلى السطح.

وفي عام 2017، نجح فريق بحثي في تتبع مسارها باستخدام تقنيات الرادار، ليكتشف شبكة من القنوات المضغوطة تمتد لنحو 300 متر داخل النهر الجليدي.

وأوضحت الدراسة أن الملوحة العالية تخفض درجة تجمد المياه، ما يسمح لها بالبقاء سائلة في درجات حرارة شديدة الانخفاض. كما أن تجمد أجزاء صغيرة من المحلول الملحي يطلق حرارة تسهم في تدفئة الجليد المحيط، ما يمنع القنوات من الانغلاق ويحافظ على استمرار تدفق المياه.

ووصف علماء الجليد نهر تايلور بأنه “أبرد نهر جليدي معروف على الأرض يحتوي على مياه سائلة تتدفق باستمرار”.

عالم معزول تحت الجليد

لم يكن اللون الأحمر أو التركيب الكيميائي للمياه وحدهما ما جذب اهتمام العلماء، بل أيضاً الكائنات الحية التي تعيش في هذا العالم المعزول.

فعلى عمق مئات الأمتار تحت الجليد، تعيش مستعمرة من البكتيريا في عزلة تامة منذ أكثر من مليون عام، من دون ضوء شمس أو أكسجين.

وتعتمد هذه الكائنات الدقيقة على مركبات الكبريتات للحصول على الطاقة، بعدما تكيفت مع واحدة من أقسى البيئات على كوكب الأرض، ما يجعلها نموذجاً مهماً لدراسة قدرة الحياة على البقاء في البيئات المتطرفة.

دراسة حديثة تحل اللغز

في دراسة حديثة نُشرت هذا العام في دورية “أنتاركتيك ساينس”، توصل فريق بحثي بقيادة العالم بيتر دوران من جامعة ولاية لويزيانا إلى تفسير جديد لآلية اندفاع المياه إلى الخارج.

واعتمد الباحثون على بيانات جمعتها ثلاثة أجهزة رصد عملت بالتزامن قرب نهر تايلور الجليدي عام 2018، حيث سجلت انخفاضاً في سطح النهر بنحو 15 مليمتراً، وتراجعاً في سرعة حركته بنسبة تقارب 10%، بالتزامن مع ظهور تدفقات جديدة من المياه الحمراء.

واستنتج الفريق أن الضغط يتراكم تدريجياً داخل المحلول الملحي قبل أن يندفع إلى الخارج، إذ تؤدي كل موجة تدفق إلى تغييرات طفيفة في شكل النهر الجليدي وحركته، قبل أن تبدأ دورة جديدة من تراكم الضغط في الأعماق.

نافذة على عوالم جليدية أخرى

يرى العلماء أن “شلال الدم” يمثل نموذجاً طبيعياً لفهم البيئات الجليدية القاسية التي قد توجد على قمري أوروبا التابع لكوكب المشتري، وإنسيلادوس التابع لكوكب زحل، حيث يُعتقد بوجود محيطات من المياه المالحة مخفية تحت طبقات سميكة من الجليد.

ويأمل الباحثون أن تسهم دراسة هذه الظاهرة الفريدة في كشف مزيد من أسرار البيئات الجليدية على الأرض، وربما تقديم أدلة جديدة حول إمكانية وجود أشكال من الحياة في عوالم جليدية أخرى داخل النظام الشمسي.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات