الوضع الداكن
تاريخ - سفاحو التاريخ ومرعبو الأمم قديما.. فمن هم المغول؟
نشر بتاريخ 2023/09/19 9:52 صباحًا
1156 مشاهدة

نشأت الإمبراطورية المغولية عام 1206 ميلادي، من قبائل بدوية كانت تقطن أقصى شمال الصين، حتى غدت من أكبر الإمبراطوريات في التاريخ، وامتد نفوذها من المحيط الهادي إلى وسط أوروبا، ووصلت مساحتها 28 مليون كيلومتر مربع، أي ما يقارب 20% من مساحة اليابسة، وسطّرت تاريخا دمويا مرعبا للعالم كله، قبل أن تتفتت إلى إمبراطوريات صغيرة في ستينيات القرن الثالث عشر بسبب الصراعات الأهلية.
لم يكن للمغول أي اهتمام بإقامة الصروح العمرانية العظيمة أو بأنظمتهم السياسية، فلم يشتهروا بأي منهما، لكن في المقابل أسهموا بالتقدم الثقافي، فقد وصلوا الشرق بالغرب بطرق تجارية وبعلاقات دبلوماسية، كما سهّلوا حركة المبشرين والرحالة من أوراسيا حتى الشرق الأقصى.

الأصول التاريخية
يعود أصل المغول إلى قبائل رعوية من البدو الوثنيين في شمال الصين وفي منغوليا حاليا، وكانت البيئة التي يعيشونها تعتمد على رعاية قطعان كثيرة من الحيوانات، وشكّلت الطبيعة الجغرافية والمناخية القاسية دورا في قوة تحمل تلك القبائل، مما أنشأ جيلا قويا من الفرسان.
وتكونت قبائل المغول من أعراق متنوعة بين قبائل تركية منها قبائل التوركش والقرغيز والغُز والقارلوك، وأخرى غير تركية مثل قبائل الخيتاي والتتار والكرايت والنايمان والبرجقين، القبيلة التي تنحدر منها أصول جنكيز خان مؤسس الإمبراطورية.
واشتهر سكان تلك المنطقة بفروسيتهم ومهاراتهم القتالية العالية، فقد أتقنوا استعمال القوس المركب، الذي يستعمل للتصويب من فوق الخيول.
كما أتاح لهم امتلاكهم للخيل القوية السفر لمسافات بعيدة، وذلك يفسر سرعة سيطرتهم على مساحات شاسعة على امتداد تحركهم غربا.

ملامح حياة المغول
كانت القبائل المغولية ترتحل مع دوران الفصول، وتبني بيوتها من الخيام المؤقتة الدائرية والمصنوعة من اللباد أو خيم اليورت، وبالنسبة لملابسهم فكانت متينة ودافئة، تعينهم على تحمل البرد القارس في منغوليا.
اعتمد المغول أيضا في لباسهم على اللباد المصنوع من صوف الخراف وفراء الحيوانات، فكانت سراويلهم واسعة فضفاضة وستراتهم طويلة تشبه الجلباب، يربطونها بحزام جلدي، ويضعون قبعات مخروطية تغطي آذانهم، وصنعوا ملابسهم الداخلية من القطن والحرير.
أما غذاؤهم فقد كان يعتمد على الألبان وما يصنع منها، كالأجبان والزبدة وغيرهما، وكان الشراب الذي اشتهروا به “الكُمس”، وهو شراب كحولي يصنع من حليب الفرس، واعتمدوا أيضا على لحم الحيوانات البرية، وحاولوا دائما تجنب لحوم ماشيتهم لاعتمادهم على حليبها وصوفها وحتى روثها في التدفئة للعيش.
اعتاد المغول تنظيم حملات صيد دورية لجمع الطعام خلال الصيف تجهيزا للشتاء، وحتى الأعياد الخاصة التي تعد مناسبة تجمع القبائل بين حين وآخر، وقد أسموها “نَرغة”، وفيها تطوق الخيالة مساحة واسعة من السهوب لتدفع بالطرائد إلى مساحة أصغر ليصطادها رماة السهام على خيولهم بصورة أسهل.
وخلفت ممارسة هذا التقليد فرسانا أقوياء أشداء ماهرين في التصويب بالسهام من فوق الخيول، فقد استفادوا في حروبهم من أسلوب “النرغة”، ومن طريقة تنظيمها والانضباط الذي تتطلبه.
ورغم الحياة البدائية والبدوية التي كانوا يعيشونها، فقد وجدت تقسيمات اجتماعية حكمت طبيعة التعامل بين هذه القبائل، فهناك طبقة النبلاء وهي المسيطرة ومنها القادة، وطبقة “النوكور” التي تعني الأحرار، وهي أشبه بالطبقة المتوسطة التي يقوم عليها النظام العسكري والسياسي، والطبقة الثالثة هي العامة والعبيد، وعلى غرار المناطق الآسيوية المجاورة، امتازت نساء المغول بحقوق أكثر وصلاحيات أكبر، حتى كنّ في بعضها وصيات على العرش.

المعتقد
أما بالنسبة لديانتهم، فلم يكن للمغول كتاب مقدس، وكانت طقوسهم خليطا من الأرواحية (تأليه الحيوانات) والشامانية وعبادة السلف، وجعلوا للنار والأرض والماء والجبال والظواهر الطبيعية أرواحا، وآمنوا بقدرة الشامان على التواصل مع هذه الأرواح، حيث يغشى على الشامان في عملية التواصل ثم يتنقل في عالم الأرواح ويعثر على التائهة منها ويعرف الأحداث المستقبلية، حسب اعتقادهم.
وكانت الآلهة عندهم اثنين، الأرض وهي الإلهة الأم “إيتوغين”، والسماء الزرقاء وهي الإله الأب الحامي “تينغري” الذي أعطى للمغول -حسب اعتقادهم- “الحق المقدس في حكم العالم بأسره”.
النشأة والتأسيس
نشأت هذه الإمبراطورية على يد مؤسسها جنكيز خان واسمه الأصلي تيموجين، وكان والده يوسغي قد سيطر على مجموعة من 40 ألف عائلة، لكنه قتل مسموما، فتفككت تلك المجموعات وهجرت بعضها التبعية لعائلة تيموجين الذي كان طفلا وقتها.
بعدما كبر تيموجين أصبح قائد المجموعة خلفا لأبيه، فبنى قوته بنفسه مشكلا تحالفات من قبائل السهب الآسيوية، وهدد معظم الفرسان مخيرا إياهم بين الانضمام له أو الإعدام، كما أجبر قبائل التتار والكيريد والنيمان والميركيد على الخضوع له.
وشكّل جنكيز خان جيشا كبيرا من الفرسان الذين دربهم تدريبا شديدا، منهم 10 آلاف من المقاتلين الخاصين به -الذين عيّن منهم نخبة في مناصب إدارية مرموقة- وآخرون جَنّدهم كرها من مقاتلي حلفاء الإمبراطورية والأراضي التي استولى عليها.
وفي عام 1206 للميلاد، جمع جنكيز خان القبائل في اجتماع كبير وشكل مجلسا سياسيا سمي “كورولتاي”، وبه اعترف القادة رسميا بجنكيز خانا أعظم (حاكما عالميا) للمغول.

بناء الإمبراطورية
عمد جنكيز خان إلى تنفيذ إصلاحات في إدارة إمبراطوريته، وأسس نظام كتابة للغة المغولية عن طريق كتّابه الترك الإيغوريين، الذين اعتمدوا على الكتابة الإيغورية، وأصدر شريعة قانونية أسماها “ياسا”، وشكّل شبكة “اليام”، وهي محطات استراحة للمرتحلين تمكنهم من التزود بالمؤن التي يحتاجونها.
وجعل الحكم في من بعده لأولاده وأولادهم، فلا يسمح القانون المغولي إلا لأبناء سلالة جنكيز خان بأن يصيروا قادة للمغول.
وبعد أن أنشأ نظامها الإداري ووسع سيطرة إمبراطوريته وقسمها على أبنائه الأربعة، وهم جوجي خان وجغطاي خان وأوقطاي خان وتولي خان، صارت الإمبراطورية أكبر من الإمبراطورية الرومانية بـ4 مرات.
أبرز المحطات التاريخية
بدأ جنكيز خان فور الاعتراف به من القبائل بغزو غالبية مناطق منغوليا بحلول عام 1206 ميلادي، حتى سيطر عليها بالكامل، وبدأ بعدها بتوسيع غزواته وسيطرته عالميا خلال سنوات قليلة، فاستولى على تشونغدو عاصمة سلالة جين الصينية عام 1215، وإمبراطورية التانغوت أيضا.
ثم التفت إلى سلالة سونغ الصينية، التي كانت وقتها من أكبر وأغنى السلالات في المنطقة، وفي عام 1219 وصل إلى منطقة كوريا الشمالية وطارد قبائل الخيتان، ثم وجّه أنظاره غربا نحو بلاد فارس.
خلال عقدين فقط، انقلبت آسيا رأسا على عقب، حتى أطلق المسلمون على جنكيز خان “الملعون”، لما أحدثه من خراب في بلدانهم، فقد مسح مدنهم بالكامل وذبح المدنيين ودمر أنظمة الري ولم يبق في البلاد شيئا صالحا.

القضاء على الدولة الخوارزمية
في عام 1206 ميلادي، الذي استطاع فيه جنكيز خان السيطرة على كامل منغوليا، استطاع محمد شاه خوارزم حاكم الإمبراطورية الخوارزمية الاستيلاء على أفغانستان، ثم سمرقند.
رغب جنكيز خان بعقد علاقات تجارية مع الخوارزميين، فأرسل رسلا لهم، لكنهم قتلوا بعد أن ظن أحد أمراء الخوارزميين أنهم جواسيس، مما أشعل فتيل القتال بين الطرفين، وشرع جنكيز خان فورا بحملة غزوه للدولة الخوارزمية، التي لم تنته حتى عام 1231.
انطلق جنكيز خان بجيش قوامه 100 ألف، واستطاع أن يستولي على مدينتي بخارى وسمرقند، وفي بداية عام 1221 وصل إلى شمالي أفغانستان، وبعدها بعام أغار على جيش روسي في كالكا.
وبعد وفاته عام 1227، تولى ثالث أبنائه أوقطاي خان حكم المغول، وصار “الخان الأعظم”، لكنه توفي بعد عامين فقط وخلفه ابنه جيوك خان، بينما حكم تولي خان خراسان ووضع نصب عينيه التوسع للعراق وديار بكر، وحكم جوجي خان الابن الأكبر القوقاز وأراضي من روسيا، والتي أصبحت لاحقا “خانية القبيلة الذهبية”.
تمكن تولي من التوسع وبسط سيطرته على كافة الأراضي الفارسية حتى وصل حدود العراق، لكنه توفي عام 1229، وورّث السلطة لابنه الأكبر مونكو، الذي هاجم بغداد وباقي البلاد الإسلامية بإقناع من أخيه الأصغر هولاكو.
وعندما علم بركة خان، الابن الثاني لجوجي، أن هولاكو يؤلّب أخاه على مهاجمة بغداد، عمد إلى إقناع أخيه الأكبر باتو بأن يتدخل ويقنع مونكو (الذي عين الخان الأعظم بعد جيوك عام 1251) بوقف الحرب على بغداد، حتى استطاع ذلك.

دخول الإسلام
ما ساعد بركة خان في إقناع أخيه بتخفيف الحرب على المسلمين، زوجة والدهما الأسيرة رسالة بنت علاء الدين خوارزم شاه، التي أسرها جوجي عقب حربه على الدولة الخوارزمية، وتزوجها بالإكراه، فكان لها بالغ الأثر في نفوس أبنائه، مما كان سببا في عطفهم على المسلمين.
كان إسلام بركة خان بن جوجي خان أكبر أبناء جنكيز خان، بادرة خير للمسلمين الذين أنهكهم المغول في بغداد وما حولها، وأسلم بركة على يدي الصوفي سيف الدين الباخرزي في بخارى عام 1252، فعاد بركة إلى بلاده وبدأ يدعو أهله للإسلام، فأسلمت أولا زوجته “ججك خاتون” واتخذت مسجدا من الخيام يُحمل معها أينما ذهبت.
تولى بركة رئاسة “القبيلة الذهبية” التي أنشأها أخوه باتو خان، فشرع فورا بإظهار شعائر الإسلام ودعوة المغول للإيمان، وجعل مدينة سراي (ساراتوف في روسيا) عاصمة للقبيلة، وبنى فيها المساجد وجعلها ذات سمت إسلامي، وعمل عليها ووسعها حتى صارت أكبر مدن العالم وقتها.
وفي الجهة الأخرى كان هولاكو ينتظر وفاة أخيه حتى يعيد شن حربه على بغداد، وحاول بركة خان التدخل فأدان أفعال هولاكو وقرار إعدام الخليفة المستعصم، فأرسل إلى مونكو يتعهده بمحاسبة هولاكو على إراقة دماء كثير من الأبرياء، لكن مونكو “الخان الأعظم” توفي في أغسطس/آب 1259 قبل أن تصله الرسالة، وما لبث هولاكو حتى بدأ هجومه على بغداد من جديد فور وفاة أخيه.

الحرب الأهلية التي قسّمت إمبراطورية المغول
بعد وفاة الخان الأعظم دبَّ الخلاف بين القادة على خليفته، فاندلعت حربٌ أهلية مزّقت الإمبراطورية المغولية وقسمتها، ومن يومها لم تعد كما كانت، وبقي قادة المغول في صراع وقتال حتى اندثار الإمبراطورية.
طالب بمنصب الخان الأعظم شقيقا مونكو خان، إريك بوك وقوبلاي، حتى نظم كل منهما مجلس التتويج الخاص به، ورغم تعيين قوبلاي خان في النهاية بالمنصب فإنه لم يقدر على بسط سيطرته على كامل أراضي الإمبراطورية، ولم يستطع الحصول على الاعتراف من معظم القادة، لكنه استطاع التمدد باتجاه الصين.
وقبل أن يعين الخليفة الجديد، انطلق هولاكو محتلا كل ما في طريقه فأغار أولا على بغداد واستباحها 40 يوما، وقتّل أهلها وعاث في البلاد فسادا ودمرها تدميرا كبيرا، وأحرق مكتباتها، وألقى غيرها في نهر دجلة، حتى قيل إن النهر صار حبرا.
وضرب فيها المغول سيوفهم بالناس من دون تمييز، ثم أعدم الخليفة المستعصم، بعدها أغار هولاكو على باقي مناطق الشام بادئا من حلب فدمرها بالمنجنيق بعدما رفض أهلها الخنوع، حتى وصل دمشق التي سلمها أصحابها كي لا يحل بهم ما حل بحلب، ثم أرسل يهدد المماليك قبل أن يعود إلى تبريز لحضور تعيين أخيه خانا أعظم.
وقف سيف الدين قطز في وجه المغول وأعد جيشه وجهزه، حتى لاقى هولاكو ومن معه في معركة عين جالوت التي خسر فيها المغول خسارة مدوية، وخسر هولاكو على إثرها الشام، وتولى الظاهر بيبرس حكم مصر والشام بعد قطز، ووقتها حدث تقارب بينه وبين بركة خان، الذي أخذ يدعو مزيدا من جنود المغول للإسلام، ثم دخل في حلف مع بيبرس وما لبث أن شرع ببث الفتن والمشاكل بين زعماء المغول.
الخانيات الأربع.. نهاية الإمبراطورية
بقيت الإمبراطورية المغولية موحدة تحت راية واحدة إلى عام 1260 بعدما استقلت كل خانية بنفسها، وتوزع حكم أحفاد جنكيز بين أجزاء الإمبراطورية، فكونوا الخانيات (الخاقانيات) الأربع، وكانت أقواها سلالة يوان في الصين، التي أسسها قوبلاي خان، وأعلن نفسه “إمبراطور الصين” وحينها توحدت الصين للمرة الأولى منذ قرون.
بينما استمرت القبيلة الذهبية التي أسسها باتو خان في وسط السهب الأوراسي حتى عام 1480، وأسس هولاكو من جهته الدولة الإلخانية في بلاد فارس وبقي المماليك تهديده الأكبر، ثم تفككت دولته عام 1335 بسبب النزاع على الحكم، أما جغطاي فأسس خانيته الخاصة، لكنها انهارت كذلك في عام 1363.
واستمرت هذه الخانيات الثلاث الأخيرة في صراعاتها ونزاعاتها الحدودية، علما أن نهايتها جميعا كانت دخول الإسلام، ليستولي تيمورلنك بعدها على بلاد الإلخانية والجغطاي، ويؤسس الدولة التيمورية.
في النهاية، أصبح المغول جزءا من المجتمعات التي احتلوها، فذابوا وتأثروا بثقافة رعيتهم، وترك كثير منهم معتقداتهم الشامانية التقليدية متحولين إلى البوذية التبتية أو الإسلام، ففقد المغول جزءا كبيرا من هويتهم الثقافية وحتى قدراتهم الحربية، وانشغلت الخانيات الأربع جميعها بالصراع الداخلي حول تولي الحكم، إلى أن اختفت تماما.

الكلمات الدلالية
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات