على ضفاف الفرات، وقبل نحو أربعة عشر قرنًا، كانت خيول جيش صغير تتقدم شمالًا من الحيرة، يقودها رجل لم يعرف الهزيمة في ساحات القتال. في أشهر قليلة من سنة 12 للهجرة، رسمت حملة خالد بن الوليد في العراق خريطة جديدة للمنطقة، من الحيرة جنوبًا حتى الفراض على تخوم الشام، مرورًا بالأنبار التي لا تبعد أطلالها كثيرًا عن مدينة الفلوجة اليوم.
الحملة جاءت بعد صلح الحيرة، حين قرر القائد المسلم الزحف على طول الفرات الأوسط، في عهد الخليفة أبي بكر الصديق، لضرب الحصون التي كانت تحرس حدود الإمبراطورية الساسانية من جهة البادية، وتفكيك التحالف الذي جمع الفرس مع عدد من القبائل العربية في الجزيرة الفراتية.
قبل وصول خالد، كانت قبائل بكر بن وائل بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني قد بدأت مناوشة الفرس على أطراف العراق. وجاءت اللحظة مناسبة بعد أن أنهى المسلمون حروب الردة، وصار بإمكان الدولة الناشئة أن تنظر إلى ما وراء جزيرة العرب.
ووفق الخطة التي وضعها أبو بكر، تحرك جيشان نحو الحيرة: الأول بقيادة خالد بن الوليد من الجنوب، والثاني بقيادة عياض بن غنم من الشمال، وكان بينهما ما يشبه السباق إلى المدينة. ويختلف المؤرخون في تفاصيل الطريق الذي سلكه خالد، لكنهم يتفقون على أنه خاض سلسلة وقائع قبل أن يصل الحيرة، أبرزها ذات السلاسل قرب كاظمة، التي هُزم فيها القائد الفارسي هرمز، لتنتهي هذه المرحلة بصلح أهل الحيرة.
من الحيرة اتجه خالد شمالًا نحو الأنبار، المدينة المحصّنة على الفرات، والتي تقع آثارها اليوم قرب الفلوجة. استعدت المدينة للحصار وحفرت خندقًا حولها، فركّز رماة المسلمين سهامهم على عيون المدافعين فوق الأسوار، قبل أن يلجأ خالد إلى حيلة لافتة: ذبح الإبل الضعيفة وإلقاؤها في أضيق نقطة من الخندق حتى صارت جسرًا عبر عليه الجنود.
وتتباين الروايات التاريخية في تفاصيل ما جرى بعد ذلك، لكن الراجح أن الأنبار صالحت خالدًا في السنة نفسها، 12 للهجرة، لتصبح أول موطئ قدم ثابت للمسلمين في أعالي الفرات الأوسط.
بعد الأنبار، توجه خالد إلى عين التمر، الحصن الواقع على طريق البادية نحو دومة الجندل. هناك واجه تحالفًا من العرب والفرس، وتمكن من أسر قائد عربها عقة بن أبي عقة، فانهار حلفاؤه، وفُتح الحصن عنوة.
وفي كنيسة عين التمر عُثر على غلمان أسرى، صار بعضهم أو أبناؤهم لاحقًا من أبرز الأسماء في التاريخ الإسلامي، ومنهم والد التابعي محمد بن سيرين، وموسى بن نصير الذي قاد بعد عقود فتح المغرب والأندلس.
ومن عين التمر انطلق خالد جنوبًا غربًا لنجدة عياض بن غنم المحاصر في دومة الجندل، حيث قُتل أكيدر بن عبد الملك الكندي وأُسر الجودي بن ربيعة، لتُفتح بذلك طرق البادية بين العراق والشام.
عاد خالد إلى العراق ليجد أن الفرس يعيدون حشد حلفائهم من القبائل العربية. فاعتمد أسلوبًا جديدًا: ضربات ليلية متتالية على تجمعاتهم قبل أن تلتئم، في الحصيد والمصيخ والثني والزميل.
وفي الحصيد، قتل القعقاع بن عمرو القائد الفارسي زرمهر، وقتل عصمة بن عبد الله الضبي القائد روزبه. وبهذه الضربات المتلاحقة تفكك الحلف الذي كان يشكّل خط الدفاع الأول للساسانيين من جهة البادية.
في منتصف ذي القعدة من سنة 12 للهجرة، الموافق تقريبًا لمطلع عام 634 للميلاد، وصل خالد إلى الفراض، عند ملتقى حدود العراق والشام والجزيرة. هناك واجه تحالفًا نادرًا جمع الروم والفرس وعددًا من القبائل العربية.
اختار خالد أن يترك خصومه يعبرون النهر إليه، ثم انقضّ عليهم وهزمهم. وتذكر بعض المصادر القديمة، ومنها تاريخ الطبري، أن قتلى الحلفاء بلغوا مئة ألف، وهو رقم يرى مؤرخون معاصرون أنه مبالغ فيه كثيرًا، بل يشكك بعض الباحثين في تفاصيل المعركة نفسها ومشاركة الجيشين الروماني والفارسي فيها.
بعد الفراض، أدى خالد فريضة الحج سرًا في تلك السنة دون إذن الخليفة، فعاتبه أبو بكر على ذلك، ثم كلّفه بمهمة جديدة: التوجه إلى الشام لنجدة جيوش المسلمين هناك، بينما بقي المثنى بن حارثة في العراق ليكمل ما بدأه.
ولمن يريد التعرف أكثر على سيرة هذا القائد، يمكن قراءة قصة خالد بن الوليد، القائد الذي خلّد اسمه في التاريخ الإسلامي، ومتابعة محطات الفتح الإسلامي للعراق من الولجة إلى القادسية.
وهكذا، في أقل من عام، تحولت ضفاف الفرات من تخوم محصنة للإمبراطورية الساسانية إلى أرض مفتوحة أمام المسلمين، وبقيت حملة خالد هذه، في نظر كثير من المؤرخين، ذروة عبقريته العسكرية قبل أن يكتب فصلًا جديدًا في اليرموك.