عرف الشاعران العراقيان الزهاوي والرصافي بخلاف أدبي طويل، إذ طغت الغيرة على العلاقة رغم موهبتهما الكبيرة.
يرى بعض الأدباء أن الزهاوي كان يعتد بشعره كثيرًا، مما تسبب في تعاليه على زملائه وتوتر علاقاته الشعرية.
في إحدى المناسبات، قال الزهاوي أمام الحضور متحديًا بقية الشعراء: “وللشعر أعباءٌ أقوم بها وحدي في بغداد”.
زار المجاهد التونسي عبد العزيز الثعالبي بغداد في عشرينيات القرن الماضي، فأعدّ أدباء العراق حفلًا لتكريمه والاحتفاء به.
شُكّلت لجنة ثقافية لوضع برنامج الحفل، وبدأت بزيارة الرصافي وطلبت منه إلقاء قصيدة تكريمية للمناسبة المهمة.
سألهم الرصافي بهدوء: هل فاتحتم الزهاوي بالمشاركة؟ فأجابوا بالنفي، ووعدوا بمفاتحته في أقرب وقت.
قال الرصافي: إذا عرف الزهاوي أنني سأشارك، فسيرفض المشاركة، لذا اكتفوا به وحده دون ذكر اسمي مطلقًا.
تم الاتفاق على أن يحذف اسم الرصافي من البرنامج، كي لا يُفشل الزهاوي الحفل أو ينسحب منه غاضبًا.
رغم غيابه عن البرنامج، حضر الرصافي الاحتفال بهدوء، وجلس بين الجمهور ينتظر اللحظة المناسبة لظهوره الشعري.
بعد انتهاء الزهاوي من قصيدته، أعلن عريف الحفل بصيغة متفق عليها مشاركة الرصافي رغم عدم ذكر اسمه مسبقًا.
فاجأ الإعلان الحضور، إذ لم يكن متوقّعًا أن يلقي الرصافي قصيدته بعد الزهاوي مباشرة دون تمهيد رسمي.
وقف الرصافي وألقى قصيدته الهادئة، وقال: “أتونسُ إنّ في بغداد قومًا ترف قلوبهم لك بالودادِ الصادق؟”.
ما إن بدأ الرصافي بإلقاء أبياته، حتى نهض الزهاوي من مكانه مغادرًا القاعة غاضبًا، وسط دهشة الحاضرين.
ما قام به الرصافي يعد مثالًا رفيعًا في نبل الأدب، فقد تنازل عن اسمه من أجل زميله ونجاح المناسبة.
حذف اسمه طوعًا من برنامج رسمي، فقط ليُتيح للزهاوي فرصة الظهور دون إحراج أو انسحاب.
ذلك الموقف النبيل يحمل دروسًا للجيل الجديد، مفادها أن التواضع أقوى من الادعاء، والأدب يسمو فوق الخلافات.
كم نحتاج اليوم في الأوساط الأدبية إلى مثل هذا الخُلق، بعيدًا عن الحساسيات والصراعات الأيديولوجية الضيقة.
الشاعر الحقيقي يقاس بروحه وأخلاقه، لا بعدد المتابعين أو التصفيق، أو حتى بمكانته في الحفلات الرسمية.
شهدت مصر قصة مشابهة بين حافظ إبراهيم وأحمد شوقي، حين بايع الشعراء شوقي أميرًا للشعر العربي.
غاب حافظ أولًا لاعتقاده بأحقيته باللقب، لكنه عاد سريعًا، وأعلن المبايعة في قصيدة قال فيها:
“أميرَ القوافي قد أتيتُ مبايعًا
وهذي وفودُ الشوقِ قد بايعتْ معي”
لم تكن المبايعة سببًا في خصومة، بل كانت مدعاة لتقوية الصلة، حيث رثى شوقي حافظًا عند وفاته بحرقة.