يواصل جيش من الطين يضم تماثيل آلاف الجنود، أنشأه الإمبراطور الصيني الذي وحّد البلاد، تشين شي هوانغ (259-210 ق.م)، الصمود في وجه الزمن منذ نحو 22 قرناً، وكأنه لا يزال ينتظر إشارة للحرب يطلقها الإمبراطور.
عُثر على المقبرة التي تضم جيش الطين، المعروف باسم “التيراكوتا”، على يد أحد المزارعين عام 1974، في منطقة لينتونغ بمدينة شيان التابعة لإقليم شانشي شمالي الصين.
وأُدرج الموقع لاحقاً ضمن لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” عام 1987، كما يُعد في الوقت ذاته من عجائب الدنيا الشهيرة.
تمكن تشين شي هوانغ من التغلب على الإقطاعيات المنتشرة في عموم البلاد، ووحّد نمط الكتابة ووحدات القياس ونظام الحقوق، كما أسس نظام التقسيمات الإدارية وجعلها تتبع حكومته المركزية.
وتشير الروايات إلى أن شي هوانغ أمر بتجهيز الجيش الطيني لحمايته بعد وفاته، لإيمانه بأن أعداءه الكثر لن يتركوا أثره بعد الموت، وسيسعون إلى الانتقام منه.
يبلغ قوام الجيش الطيني نحو 8 آلاف جندي، تحاكي أشكالهم وأطوالهم جنوداً حقيقيين، ويشكلون جيشاً متكاملاً ومجهزاً، يضم الجنود والفرسان والرماة وأصحاب الرتب العسكرية العالية.
ووُزعت التماثيل بطريقة مدروسة توحي بالقوة والقدرة على الدفاع عن ضريح الإمبراطور.
ومن أبرز ميزات الجيش أن ملامح كل جندي تختلف عن الآخر، سواء من حيث الشكل أو اللون أو الشارب واللحية أو نمط الأذن، فيما تتراوح أوزان التماثيل بين 150 و300 كيلوغرام.
بحسب الأبحاث، صُنعت وجوه وأجساد الجنود يدوياً، في حين استُخدمت تقنية الصب في صناعة الأطراف.
وأُعدت وجوه الجنود بحيث تشبه أشكال الجنود الحقيقيين في الجيش، كما يضم الجيش الطيني عدداً من تماثيل الأحصنة وعربات الحرب، فضلاً عن دروع وسيوف وسهام ورماح مصنوعة من البرونز.
وعلى الرغم من أن أزياء ودروع جنود جيش الطين كانت ملوّنة في البداية بألوان عدة، بينها الأخضر والأزرق والأحمر، فإن هذه الألوان زالت مع مرور الزمن، ليسود اللون الترابي على كامل الجيش.
تتواصل أعمال ترميم الجيش داخل المتحف، فيما لم تنجُ بعض تماثيل الجنود والأحصنة وغيرها من التفتت والتكسر.
ولا تزال هناك تماثيل أخرى تنتظر الاستخراج، إذ إنها شديدة الهشاشة ويُخشى تعرضها للتفكك عند إخراجها.
إلى جانب مساهمة جيش الطين في جذب أعداد كبيرة من السياح إلى منطقة شيان، استقطب الموقع عدداً من القادة والزعماء خلال السنوات الـ15 الأخيرة.
ومن أبرز زواره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي، والرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيسة الكورية الجنوبية السابقة بارك جيون هي، والأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون.
وقال “فينغ فويانغ”، أحد المسؤولين في متحف الجيش، في تصريح للأناضول، إن الإمبراطور شي هوانغ أنشأ الجنود من الطين، ووزعهم في مجموعات وفقاً للتوزيع الحقيقي لجيشه.
وأضاف أن جيش الطين لا يختلف عن الجيوش الأخرى، إذ كان وقت إنشائه مجهزاً بمختلف أنواع الأسلحة والعتاد، إلا أن الكثير من تلك الأسلحة تعرض للنهب والسرقة أو أزيل لأغراض أخرى بمرور الزمن.
وأشار إلى أن أحجام الجنود شبيهة بأحجام الإنسان الطبيعي، إذ يبلغ طول أقصر جندي في جيش الطين 1.72 متر، فيما يصل طول أطولهم إلى 1.97 متر.