تاريخ
-
من المدينة إلى الكوفة: كيف شكّلت النشأة مسار زيد الثوري؟
نشر بتاريخ 2025/08/19 10:35 مساءً
70 مشاهدة
الإمام زيد بن علي.. مشروع ثوري في وجه الطغيان
بيعة على المبادئ
حين وقف الإمام زيد بن علي بن الحسين أمام أنصاره في الكوفة، كان خطابه واضحًا وقاطعًا: “إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعَفين…” كانت هذه الكلمات تمثل جوهر البرنامج الثوري الذي رفعه الإمام زيد (ت 122هـ/741م)، وهو برنامج يزاوج بين المبادئ الدينية العليا والمطالب الاجتماعية والسياسية الملحة.
ثورة بإرث أهل البيت
ثورة زيد لم تكن مجرد انتفاضة سياسية، بل كانت امتدادًا لتراث أهل البيت في مقاومة الظلم، وتأكيدًا على أن الانتساب للعترة النبوية يعني مسؤولية عملية تجاه الأمة، لا مجرد شرف نسَبي.
ففي زمن هدأت فيه حركات أهل البيت بعد مآسي كربلاء، وأخذت تتجه نحو “الإمامة العلمية”، جاء زيد ليجدد الخط الثوري، مستفيدًا من أخطاء التجارب السابقة، رافعًا شعارًا جامعًا يخاطب جمهور الأمة لا طائفة بعينها.
نهج وسطي وموقف واقعي
امتاز مشروع زيد السياسي بالاعتدال والاتساع، إذ لم يشترط الإمامة في أهل البيت وحدهم، بل أجاز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، رافضًا الطرح الباطني في الفكر الإمامي. وقد جلب له هذا الموقف رفض السلطة الأموية، وفي الوقت ذاته، عداء بعض الفرق الشيعية التي بدأت تروج لأفكار مغالية.
حتى الإمام جعفر الصادق، أحد كبار العلويين، كان له موقف ناقد من هذه الروايات المتطرفة، مما يعكس تمايز زيد عن الخط الشيعي المغالي، واقترابه من المنهج السني الوسطي.
سياق ثورته.. ذاكرة الأمة الدامية
من المدينة إلى الكوفة
ولد الإمام زيد سنة 80هـ/700م في المدينة المنورة، ونشأ في بيت علم وزهد، فجده الحسين شهيد كربلاء، وأبوه زين العابدين علي بن الحسين، المعروف بالتقوى والعلم.
تكوينه العلمي والروحي في المدينة –التي كانت مركزًا للمعارضة الفقهية والسياسية– أثر فيه بعمق، وجعل منه رجلًا مشبعًا بمشاهد الألم الجماعي، مثل واقعة “يوم الحرّة” (63هـ) وقصف الكعبة بالمنجنيق (73هـ)، وذكرى كربلاء التي لم تغادر وجدان الأمة.
ثورة جامعة لا طائفية
انطلقت ثورته من الكوفة، وكانت صيغتها جامعة توافقية، تستوعب مختلف الطيف السياسي الإسلامي، مما أكسبها زخمًا شعبيًا وأخلاقيًا، رغم قلة التحضير الجغرافي والسياسي لها.
ومع أن الثورة لم تكتب لها النجاة، إلا أن تأثيرها الفكري والسياسي امتد لعقود، وظل الإمام زيد يُنظر إليه بوصفه رمزًا للثورة الإسلامية ضد الاستبداد، ومُلهمًا للعديد من الحركات الإصلاحية لاحقًا.
زيد في وعي أهل السنة
ما يجعل تجربة زيد فريدة هو أنها لم تتحول إلى فرقة مذهبية إلا بعد عقود من وفاته، وبقيت أفكاره متداولة في الفضاء السنّي، حيث اعتُبر من أعدل الفرق الشيعية، وأقربهم إلى جمهور المسلمين، وهو ما يفسّر استمرار التقدير له في كتب أهل السنة، كأحد المجاهدين الصادقين، لا كزعيم طائفي.