الوضع الداكن
تكنولوجيا - عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جاسوسًا.. كيف تتغير معادلات الاستخبارات؟
نشر بتاريخ 2026/06/21 12:09 مساءً
2 مشاهدة

شهدت أدوات التجسس تطورًا كبيرًا عبر العقود، بدءًا من الرسائل المشفرة والكاميرات السرية وصولًا إلى الهويات المستعارة ووسائل التنكر المعقدة. إلا أن ثورة الذكاء الاصطناعي تنقل هذا المجال إلى مستوى أكثر تطورًا، إذ بات بالإمكان بناء صورة شبه متكاملة عن الأفراد اعتمادًا على آثارهم الرقمية وتحليلها لاكتشاف نقاط الضعف المحتملة واستغلالها.


تابعونا على التليكرام


تحذيرات من داخل الاستخبارات الأميركية

حذرت جونا مينديز، المسؤولة السابقة في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) والرئيسة السابقة لقسم التنكر في الوكالة، من التأثير المتزايد للذكاء الاصطناعي على العمل الاستخباراتي.

وخلال مقابلة مع صحيفة “آسيا تايمز”، أكدت أن أجهزة الاستخبارات الأميركية تنظر بقلق إلى قدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي على جمع وتحليل كميات ضخمة من المعلومات حول الأفراد بسرعة غير مسبوقة، ما يمنح الجهات الاستخباراتية أدوات أكثر فعالية في عمليات الاستهداف والتجنيد.

من الأقنعة الواقعية إلى الهويات الرقمية

اكتسبت تصريحات مينديز أهمية خاصة بالنظر إلى خبرتها الطويلة في مجال التنكر والهوية داخل وكالة الاستخبارات المركزية.

وخلال فترة إشرافها على البرنامج، طُورت أقنعة متحركة شديدة الواقعية، لدرجة أن الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب لم يدرك أنها كانت ترتدي أحدها خلال إحاطة رسمية في البيت الأبيض مطلع تسعينيات القرن الماضي.

كما استعرضت بعض تقنيات الحرب الباردة، ومنها أسلوب “التنكر أثناء الحركة”، الذي كان يتيح لضباط الاستخبارات تغيير مظهرهم أثناء السير لتفادي المراقبة.

لكن أدوات الخداع تطورت اليوم إلى أشكال رقمية، إذ يمكن أن يظهر التنكر عبر صور معدلة أو أصوات مولدة بالذكاء الاصطناعي أو وثائق مزورة أو حتى هويات مهنية تبدو حقيقية على منصات التوظيف.

الذكاء الاصطناعي واختيار الأهداف

ترى مينديز أن جوهر العمل الاستخباراتي لم يتغير رغم تطور الأدوات، إذ لا يزال يعتمد على إقناع شخص ما بتقديم معلومات لا يمكن الحصول عليها عبر الأقمار الصناعية أو الاختراقات الإلكترونية.

غير أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على تسريع عملية اختيار الأهداف من خلال تحليل البيانات الشخصية والمهنية والاجتماعية، وتحديد الدوافع التي قد تجعل شخصًا ما أكثر عرضة للتجنيد أو التعاون.

دوافع التجنيد في عالم الاستخبارات

تشير مينديز إلى أن دوافع الخيانة أو التعاون مع أجهزة الاستخبارات غالبًا ما تتمحور حول أربعة عوامل رئيسية:

  • المال، عندما يكون الشخص مستعدًا لتقديم معلومات مقابل مكاسب مالية.
  • الأيديولوجيا، عندما يتعاون بدافع القناعة الفكرية أو السياسية.
  • الابتزاز، من خلال استغلال معلومات شخصية أو حساسة.
  • الغرور أو الشعور بالتهميش، خاصة لدى الأشخاص الذين يشعرون بعدم التقدير أو الحرمان من فرص الترقية.

وتكمن خطورة الذكاء الاصطناعي في قدرته على جمع هذه المؤشرات وتحليلها من خلال البيانات المتاحة عبر الإنترنت والمنصات الاجتماعية والسجلات المهنية، لتكوين صورة دقيقة تساعد في تحديد أكثر أساليب التأثير فعالية.

الثقة.. حجر الأساس في العمليات الاستخباراتية

رغم التقدم التقني، تؤكد مينديز أن عنصر الثقة لا يزال العامل الحاسم في نجاح أي عملية استخباراتية.

فالمصدر يحتاج إلى الثقة بالشخص الذي يتواصل معه قبل مشاركة المعلومات، كما يحتاج العميل إلى الثقة بالمعلومة ومصدرها، ما يجعل بناء العلاقات البشرية جزءًا أساسيًا من أي عملية تجنيد أو تعاون.

أمثلة على استغلال الذكاء الاصطناعي

أورد تقرير “آسيا تايمز” مثالًا على التحولات الجارية في هذا المجال، حيث تمكن عنصر كوري شمالي من الحصول على وظيفة داخل شركة أميركية للأمن السيبراني عبر استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لانتحال هوية عامل تقني أميركي.

لكن نظامًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي داخل الشركة رصد سلوكًا غير اعتيادي خلال يوم العمل الأول، ما أدى إلى كشف العملية.

وفي سياق متصل، أعلنت وزارة العدل الأميركية في يونيو/حزيران 2025 تنفيذ إجراءات منسقة في 16 ولاية ضد شبكات مرتبطة بكوريا الشمالية، قالت إنها استخدمت هويات مزيفة أو مسروقة لتوظيف عاملين تقنيين عن بعد داخل شركات أميركية.

وأظهرت وثائق قضائية أن بعض هؤلاء العاملين تمكنوا من الوصول إلى بيانات حساسة وأكواد برمجية وتقنيات خاضعة للرقابة، إضافة إلى الاستيلاء على أصول رقمية تقدر قيمتها بأكثر من 900 ألف دولار.

منصات التوظيف تحت المجهر

كما أشار التقرير إلى تحذيرات صادرة عن تحالف “العيون الخمس” الاستخباراتي بشأن استخدام جهات مرتبطة بالاستخبارات الصينية لمنصات مهنية ومواقع توظيف، من بينها منصة لينكد إن، لاستهداف أشخاص يمتلكون صلاحيات وصول إلى معلومات حساسة.

وتتم عمليات الاستهداف غالبًا عبر شخصيات تبدو مألوفة، مثل مسؤولي التوظيف أو المستشارين أو ممثلي مراكز الأبحاث والشركات الخاصة، بهدف بناء الثقة واستدراج الأهداف إلى مشاركة معلومات قد تكون ذات قيمة استخباراتية.

عصر جديد من التجسس الرقمي

مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، لم تعد عمليات التجسس تعتمد فقط على الأدوات التقليدية أو اللقاءات السرية، بل أصبحت ترتكز بشكل متزايد على تحليل البيانات والهويات الرقمية وبناء الثقة عبر الفضاء الإلكتروني.

ويبدو أن التحدي الأكبر أمام أجهزة الاستخبارات والشركات والأفراد خلال السنوات المقبلة سيكون في التمييز بين الهويات الحقيقية والمزيفة، وبين المعلومات الموثوقة وتلك التي صُنعت بإتقان لخدمة أهداف خفية.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات