الوضع الداكن
تاريخ - ابن بطوطة في المالديف.. من رحالة غريب إلى قاضي الجزر
نشر بتاريخ 2026/09/08 3:53 مساءً
1 مشاهدة

يعد ابن بطوطة واحدًا من أشهر الرحالة والمغامرين في تاريخ الحضارة الإسلامية؛ فقد كان جغرافيًا لامعًا، جمع بين علوم الشريعة والدبلوماسية والجغرافيا بمعناها التجريبي الوصفي، وقضى ما يقرب من ثلاثة عقود من حياته متنقلًا بين بلدان العالم.

امتلك ابن بطوطة جرأة استثنائية على السفر والمغامرة، إلى جانب قوة بدنية وصلابة مكّنتاه من مواجهة الأخطار، كما كان شديد التطلع إلى المكانة وعلو الشأن، باحثًا عنهما في كثير من البلدان التي حل بها.

وكان محمد بن عبد الله بن بطوطة الطنجي المغربي اللواتي (703-779هـ/1304-1374م) من أشهر الجغرافيين والرحالة الذين ظل الجدل حولهم قائمًا حتى اليوم. ويقول عنه المؤرخ والمستشرق الروسي إغناطيوس كراتشكوفسكي: “مهما اختلفت الآراء فيه فإن من المستحيل إنكار أنه كان آخر جغرافي عالمي من الناحية العملية، أي إنّه لم يكن نقَّالة اعتمدَ على كُتب الغير، بل كان رحّالة انتظم محيط أسفاره عددا كبيرا من الأقطار، وقد جاوز تجواله مقدار مئة وخمس وسبعين ألف ميل”[1].


تابعونا على التليكرام


رحلة بدأت بالحج واستمرت ثلاثة عقود

خرج ابن بطوطة من بلدته طنجة في شهر رجب سنة 725هـ، قاصدًا الحج وزيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن ذلك الشاب لم يكن يدري، أو لعله لم يخطط آنذاك، أنه سيغيب عن وطنه نحو ثلاثين عامًا، يجوب خلالها أصقاع العالم، مستكشفًا ومتزوجًا وراحلًا من بلد إلى آخر.

وظل ابن بطوطة تتقاذفه الأقدار والبحار حتى عاد إلى وطنه في بدايات الشيخوخة، ليُملي تفاصيل رحلته على الأديب المغربي ابن جُزي، الذي دوّنها في كتاب حمل اسم “تُحفة النُّظَّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”، واشتهر لاحقًا باسم “رحلة ابن بطوطة”.

ومن أبرز محطات تلك الرحلة إقامته في جزر المالديف، التي كانت تُعرف آنذاك باسم جزر “ذِيبة المهل”، الواقعة في المحيط الهندي جنوب الهند وسريلانكا.

لم يكن ابن بطوطة في المالديف مجرد عابر سبيل؛ فقد أقام فيها، وتزوج أربعًا من نسائها، ثم تولى القضاء، وحظي بمكانة ونفوذ جعلاه يعيش بين أهلها كواحد من كبار رجال الدولة.

فكيف وصل ابن بطوطة إلى هذه الجزر؟ وكيف استقبله أهلها ورفعوا مكانته؟ وما الذي أدى لاحقًا إلى توتر علاقته بالسلطة ودفعه إلى مغادرتها؟

من الهند إلى ذِيبة المهل

تنقل ابن بطوطة خلال أسفاره بين بلدان ومناطق عديدة، من بينها الهند والصين والجاوة. وفي الهند، تعرّف على أحد الأمراء المحليين في منطقة تُسمى هنور، هو الأمير جمال الدين، الذي يبدو أنه كان يسيطر على مساحات كبيرة من جنوب الهند، وكان محبًا لنشر الإسلام.

لازم ابن بطوطة الأمير جمال الدين، وخرج معه في حملاته العسكرية ضد الهندوس وغيرهم، لكن الصراع انتهى نهاية أليمة بعد انتصار الهندوس. ويصف ابن بطوطة تلك اللحظة بقوله: “استولت الأيدي على المتاع، وتفرَّق أصحابي إلى الصين والجاوة وبنجالة”.

عندها أدركه اليأس، وقرر البحث عن بلاد جديدة يقيم فيها.

وكانت وجهته التالية جزر ذِيبة المهل، التي يقول عنها: “وكنتُ أسمعُ بأخبارها”. ومن دون تردد، حمل رحاله وركب إحدى السفن المتجهة إليها، ليصل بعد عشرة أيام من مغادرته سواحل الهند الجنوبية، خلال سنة 745هـ/1344م.

المالديف محطة قديمة للتجار المسلمين

كان المسلمون، ولا سيما التجار، يعرفون جزر المالديف منذ أواخر القرن الأول الهجري. فالرحلة البحرية التجارية بين السواحل العربية في اليمن وعُمان وجنوب إيران، وبين جزر جنوب شرق آسيا والصين، كانت تستغرق نحو سنة ونصف السنة، وكانت المالديف تقع في منتصف المسافة تقريبًا.

ولهذا، اتخذها التجار المسلمون محطة للراحة والتزود والاستعداد لمواصلة الرحلة ذهابًا وإيابًا.

وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن مملكة المالديف تحولت من البوذية إلى الإسلام، وتُنسب مساهمة في ذلك إلى الرحالة المغربي أبي البركات يوسف البربري والشيخ يوسف شمس الدين التبريزي، فيما تذكر المصادر أن إسلام ملكها وأهلها كان سنة 548هـ/1154م[2].

ابن بطوطة: “هذه الجزائر إحدى عجائب الدنيا”

حين وصل ابن بطوطة إلى ذيبة المهل، أبدى إعجابًا كبيرًا بها، وسجل وصفًا تفصيليًا لطبيعتها وتنظيمها.

يقول: “وهذه الجزائر إحدى عجائب الدنيا، وهي نحو ألفي جزيرة، ويكون منها مئة فما دونها مجتمعات مستديرة كالحلقة، لها مدخل كالباب لا تدخل المراكب إلّا منه، وإذا وصل المركب إلى إحداها فلا بدّ له من دليل من أهلها يسير به إلى سائر الجزائر، وهي من التقارب بحيث تظهر رؤوس النخل التي بإحداها عند الخروج من الأخرى… وهذه الجزائر أهلها كلّهم مسلمون، ذوو ديانة وصلاح، وهي منقسمة إلى أقاليم، على كلّ إقليم والٍ يُسمُّونه الكردوبي”[3].

ويبدو أن الاسم العربي “ذيبة المهل” مرتبط باسم المالديف المعروف اليوم، فيما كانت “مهل” عاصمة الجزر التي تتبع لها بقية الجزر.

وأشار ابن بطوطة إلى أن معظم هذه الجزر لم تكن زراعية، لكن أهلها كانوا يزرعون في بعضها حبوبًا تشبه الدخن، وهي الذرة الصغيرة، بينما اعتمدوا بدرجة كبيرة على الأسماك في غذائهم.

ومن أشهر أنواع الأسماك التي ذكرها ما كانوا يسمونه “قلب الماس”، وهو المعروف اليوم باسم سمك المالديف، وكانوا يجففون الأسماك ويدخنونها ويصدرونها، إلى جانب انتشار أشجار النارجيل، أي جوز الهند[4].

من رحالة غريب إلى قاضي الجزر

حين نزل ابن بطوطة المالديف، نظر إليه أهلها بتقدير كبير باعتباره عالمًا قادمًا من بلاد الإسلام، فضلًا عن المكانة التي كان قد اكتسبها لدى سلاطين الهند، حيث عمل قاضيًا وسفيرًا.

وسرعان ما عيّنته سلطانة المالديف قاضيًا على الجزر والرعية التابعة لها، ومنحته مكانة استثنائية.

ويروي ابن بطوطة جانبًا من شروطه للبقاء قائلًا: “إن أردتم مقامي فأنا أشترط عليكم شروطا، فقال: نقبلها فاشترط، فقلت له: أنا لا أستطيع المشي على قدمي، ومن عادتهم أن لا يركب أحد هنالك إلا الوزير، ولقد كنت لما أعطوني الفرس فركبته يتبعني الناس رجالا وصبيانا يعجبون مني”.

وكانت العادة تقضي بألا يركب إلا السلطانة والوزير، لكنهم سمحوا لابن بطوطة بذلك، وأصبح بذلك واحدًا من كبار رجال الدولة، كما أُهديت إليه البساتين والأموال وأصبحت أوامره مسموعة بينهم.

مجتمع مسالم وسلاحه “الدعاء”

أكثر ابن بطوطة من الإشادة بأهل المالديف وتدينهم وأخلاقهم، مشيرًا إلى ضعف بنيتهم ونفورهم الشديد من القتال والعنف.

ويقول: “وأهل هذه الجزائر أهل صلاح وديانة، وإيمان صحيح ونية صادقة، أكلهم حلال ودعاؤهم مجاب، وإذا رأى الإنسان أحدهم قال له: الله ربي، ومحمد نبيّي، وأنا أُميّ مسكين، وأبدانهم ضعيفة، ولا عهد لهم بالقتال والمحاربة، وسلاحهم الدعاء، ولقد أمرتُ مرة بقطع يد سارق بها فغُشي على جماعة منهم كانوا بالمجلس، ولا تطرقهم لصوص الهند ولا تذعرهم لأنهم جربوا أنّ مَن أخذ لهم شيئا أصابته مصيبة عاجلة، وإذا أتت أجفان العدو إلى ناحيتهم أخذوا مَن وجدوا من غيرهم، ولم يعرضوا لأحد منهم بسوء، وإن أخذ أحد الكفار ولو ليمونة عاقبه أمير الكفار وضربه الضرب المبرح خوفا من عاقبة ذلك، ولولا هذا لكانوا أهون الناس على قاصدهم بالقتال لضعف بنيتهم”[5].

نظافة وعطور ومساجد حسنة

ولفتت نظافة أهل المالديف وعاداتهم اليومية أنظار ابن بطوطة، كما أشاد بجمال مساجدهم وحرصهم على التطيب والتزين.

وقال: “وفي كل جزيرة من جزائرهم المساجد الحسنة، وأكثر عمارتهم بالخشب، وهم أهل نظافة وتنزُّه عن الأقذار، وأكثرهم يغتسلون مرتين في اليوم تنظفا لشدة الحر بها وكثرة العرق، ويكثرون من الأدهان العطرية كالصندلية، ويتلطّخون بالغالية المجلوبة من مقدشو. ومن عادتهم أنهم إذا صلّوا الصبح أتت كل امرأة إلى زوجها أو ابنها بالمكحلة وبماء الورد ودهن الغالية، فيُكحِّل عينيه ويدهن بماء الورد ودهن الغالية، فتصقل بشرته وتزيل الشحوب عن وجهه”[6].

نساء المالديف وعادات أثارت دهشة ابن بطوطة

وفي حديثه عن النساء، سجل ابن بطوطة بعض العادات التي ظلت سائدة رغم مرور قرنين تقريبًا على دخول الإسلام إلى الجزر.

ومن أبرز ما استوقفه عدم تغطية النساء الجزء العلوي من أجسادهن، وهي عادة حاول تغييرها عندما تولى القضاء، لكنه لم ينجح.

ويقول: “ولقد جهدتُ لمّا وُليت القضاء بها أن أقطع تلك العادة وآمرهن باللباس، فلم أستطع ذلك، فكانت لا تدخل إليَّ منهُنّ امرأة في خصومة إلا مستترة الجسد، وما عدا ذلك لم تكن لي عليه قدرة، ولباس بعضهن قُمص زائدة على الفوطة (التي يلبسنها في الجزء السفلي أسفل السرة إلى القدمين)، وقُمُصهن قصار الأكمام عراضها، وكان لي جَوارٍ كسوتهن لباس أهل دهلي (الهند) وغطّين رؤوسهن، فعابهن ذلك أكثر مما زانهن إذ لم يتعودنه”[7].

سلطانة تحكم المالديف

كانت المالديف في تلك الفترة تحكمها امرأة تُدعى السلطانة خديجة، التي تزوجت وزيرها القاضي جمال الدين الحضرمي.

ويذكر ابن بطوطة أن الخطيب كان يدعو لها يوم الجمعة قائلًا: “اللهم انصر أَمَتَك التي اخترتها على علم على العالمين، وجعلتها رحمة لكافّة المسلمين، ألا وهي خديجة بنت السلطان جلال الدين ابن السلطان صلاح الدين”[8].

كما سجل ابن بطوطة ملاحظاته عن الزواج في المالديف، مشيرًا إلى سهولته وقلة تكاليفه وحسن معاشرة النساء.

وقال: “والتزوج بهذه الجزائر سهل لنزارة الصداق وحُسن معاشرة النساء، وأكثر الناس لا يُسمي صداقا، إنما تقع الشهادة ويعطي صداق مثلها”[9].

ابن بطوطة يتزوج من البيت السلطاني

تزوج ابن بطوطة خلال إقامته في المالديف، وكانت إحدى زوجاته من البيت السلطاني، وهي زوجة والد السلطانة السابقة، ووصفها بقوله: “فكانت مِنْ خيارِ النِّساء”.

غير أن حياة الرفاه والنفوذ التي عاشها ابن بطوطة في الجزر لم تستمر طويلًا.

فقد توترت علاقته بالوزير عبد الله بن محمد الحضري، بعدما شعر الأخير، بحسب رواية ابن بطوطة، بتنامي مكانته ونفوذه، وزاد الخلاف عندما لم يحكم ابن بطوطة بما أراده الوزير في بعض القضايا المرتبطة به.

ويروي ابن بطوطة أن الوزير قال له: “إنما غرضك السفر عنّا، فأعطِ صدقات النساء وديون الناس وانصرف إذا شئت، فخدمت له على هذا القول، وذهبت إلى داري فخلّصت ممّا علي من الدَّيْن، وكان قد أعطاني في تلك الأيام فرش دار وجهازها من أواني نحاس وسواها، وكان يعطيني كلّ ما أطلبه ويحبني ويكرمني، ولكنه غيّر خاطره وخوّف مني! فلما عرف أني قد خلصت الدين وعزمت على السفر ندم على ما قاله، وتلكأ في الإذن لي في السفر، فحلفت بالأيمان المغلظة أن لا بدّ من سفري، ونقلت ما عندي إلى مسجد على البحر، وطلّقت إحدى الزوجات، وكانت إحداهن حاملا، فجعلت لها أجلا تسعة أشهر إن عدتُ فيها، وإلا فأمرها بيدها”[10].

نهاية عام ونصف من النفوذ والمغامرة

وهكذا انتهت رحلة ابن بطوطة في المالديف بعد نحو عام ونصف العام من وصوله إليها.

كان الرحالة المغربي قد بدأ إقامته غريبًا، ثم تحول سريعًا إلى قاضٍ ذي مكانة رفيعة ونفوذ واسع، حتى أصبح حضوره في الجزر قريبًا من حضور كبار رجال الدولة.

لكن الخلاف مع الوزير، وتنامي الحساسية من نفوذه ومواقفه القضائية، أنهيا تلك المرحلة من رحلته.

وكعادته، قرر ابن بطوطة أن يترك وراءه ما اكتسبه من مكانة وأموال وعلاقات، ويعود من جديد إلى حياة السفر والترحال، باحثًا عن محطة أخرى وقصة جديدة في واحدة من أكثر الرحلات إثارة في التاريخ.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات