الوضع الداكن
ثقافة - رمزية وحكاية وموقف… هذا ما قالته السينما المغربية عن القدس
نشر بتاريخ 2025/07/23 12:57 مساءً
96 مشاهدة

ثلاثة أفلام فقط تناولت المدينة المقدسة بشكل مباشر

في وقت تشهد فيه الشاشة العربية انكماشًا في تناول القضايا المصيرية، تأتي بعض المبادرات السينمائية المغربية لتُبقي على القدس الشريف حيّة في الوجدان، ولو بعدد قليل من الأفلام.

ففي المغرب، لم تُنتج السينما سوى ثلاثة أعمال تناولت القدس بشكل مباشر، وهي:

  • الفيلم الروائي القصير “القدس، أبنادم” للمخرج مصطفى الشعبي

  • الفيلم الوثائقي “الأقصى يسكن الأقصى” للمخرج عبد الرحمن لعوان

  • الوثائقي “القدس باب المغاربة” للراحل عبد الله المصباحي

هذه الأعمال، رغم محدودية عددها، تُمثل تجربة إبداعية مغربية تتجاوز الأبعاد السياسية والدينية، لتُعبّر عن حضور رمزي وعاطفي متجذر في الثقافة الوطنية.

لغة الرمز والمقاومة الشعبية

يرى الناقد السينمائي مصطفى الطالب أن هذه الأفلام تُكمل بعضها البعض:

“الفيلم الروائي يشعر، والوثائقي يُقنع، وكلاهما يُكرّس رمزية القدس كقضية حية في الوعي المغربي”.

ففي فيلم “القدس، أبنادم”، تتحول كرة القدم إلى مساحة رمزية للمقاومة، حين يُهاجم فتيان أحد الأحياء قمصانًا تحمل شعار “القدس عاصمة الكيان”.
أما في الوثائقيين، فتأخذ الكاميرا طريق التوثيق، مستندةً إلى أرشيف وشهادات لتثبيت الحقائق والذاكرة.

الوجدان المغربي… تماس من بعيد

يتحدث المخرج عبد الرحمن لعوان عن سؤال جوهري كان منطلقًا لفيلمه:

“لماذا يهتم المغاربة بفلسطين رغم أنهم أبعد الشعوب العربية عنها جغرافيًا؟”

هذا السؤال تحوّل إلى فكرة سينمائية، عبّرت عن تجربة وجدانية وليست مجرد وثيقة. أما مصطفى الشعبي، فانطلق من شعور بالقهر الرمزي، فاختار تصوير فيلمه في الحي الشعبي، ليكون حجر الطفل المغربي رديفًا لحجر الطفل الفلسطيني.

ويرى عز الدين شلح، رئيس مهرجان القدس الدولي، أن هذا النوع من المبادرات السينمائية “يحتاج دافعًا شخصيًا قويًا”، لكنه يؤكد أن الوجدان المغربي يخلق هذا التماس، حتى من بعيد.



تابعونا على التليكرام



حين تعجز الكاميرا… يحضر الرمز

مع غياب القدرة على التصوير داخل القدس، لجأ الشعبي إلى الرمز البصري:

“ملعب الحي يتحوّل إلى جبهة، والقمصان وسيلة خطاب، والحجارة لغة مقاومة”.

أما لعوان، فقد استخدم الأرشيف وشهادات رموز فكرية مثل عبد الهادي التازي وسعيد الحسن، ليقدّم فيلمًا يُعيد الذاكرة إلى المجال العام.

الفيلمان يلتقيان في نقطة واحدة: إعادة بناء القدس داخل المخيال المغربي، عبر مشاهد وصور تُثير الوعي، لا تُحاكي المكان.

استنهاض الوعي الجمعي

لا تكتفي هذه الأفلام بالسرد أو الجماليات البصرية، بل تسعى إلى استنهاض وعي شعبي بقضية حاضرة في المشهد الإخباري، وغائبة عن معظم الإنتاج السينمائي.

يقول الطالب:

“في فيلم الشعبي، الحكاية تُبنى من خلال مشاهد صامتة تقريبًا، يتحدث فيها الفعل لا الحوار. إنها سردية شعبية غنية بالرمز”.

أما لعوان، فاعتمد على تقنية الاختزال الوثائقي لنقل معانٍ ثقافية وتاريخية إلى جمهور أوسع، مؤكدًا أن الوثائقي قناة لنقل الذاكرة من النخبة إلى المتفرج.

صناعة مقاومة في وجه غياب الدعم

إنجاز فيلم عن القدس من المغرب ليس مجرّد مشروع فني، بل مغامرة إنتاجية محفوفة بالعقبات.
يقول لعوان:

“لم يكن استصدار الترخيص من المركز السينمائي المغربي سهلاً، وهذا يدل على حساسية الموضوع”.

لكن رغم الصعوبات، وجد الفيلم لاحقًا صدى إيجابيًا في المهرجانات والمؤسسات.

من جانبه، يشير الطالب إلى أن ضعف الإمكانيات لم يمنع الشعبي من إنتاج فيلم رمزي قوي، مشيرًا إلى أنه “لو توفر له دعم مالي مناسب، لكان أثره مضاعفًا”.

وفي السياق ذاته، يؤكد شلح أن غياب خطة تسويقية ودعم حكومي واضح يجعل مثل هذه المشاريع أصواتًا فردية في صمت جماعي، على حد تعبيره.

رمزية لا تزول

في النهاية، تبرهن هذه الأفلام على أن القدس في السينما المغربية ليست مكانًا جغرافيًا، بل رمزًا وجدانيًا.
سواء من خلال الحكاية الرمزية في “القدس، أبنادم”، أو من خلال التوثيق في “الأقصى يسكن الأقصى” و”القدس باب المغاربة”، يبقى الرهان يستحق العناء.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات