لا تزال ملحمة جلجامش، بعد آلاف السنين على تدوينها، تستقطب قراءات أدبية وفلسفية متعددة، لما تطرحه من أسئلة تتعلق بالسلطة والصداقة والموت والخوف من الفناء والبحث عن معنى الحياة.
تابعونا على التليكرام
ولا تقتصر أهمية الملحمة على كونها من أقدم الأعمال الأدبية التي وصلت إلى البشرية، بل تمتد إلى قدرتها على تجاوز البيئة التي وُلدت فيها، لتصبح نصاً إنسانياً قابلاً لإعادة القراءة في أزمنة وثقافات مختلفة.
وتدور أحداثها الأساسية حول جلجامش، ملك مدينة أوروك القديمة، المعروفة اليوم بموقع الوركاء الأثري في العراق، ورحلته التي تبدأ بسلطة طاغية وتنتهي بإدراك محدودية الإنسان أمام الموت.
هل كانت ملحمة جلجامش نصاً شعبياً؟
يرى عدد من الباحثين أن الملحمة اقتربت من طبيعة النص الشعبي لأنها لم تكتفِ بسرد بطولات ملك، بل تناولت أيضاً معاناة سكان أوروك وشكواهم من ممارساته، ثم استجابة الآلهة لهم بخلق أنكيدو ليكون نداً له.
ومن هذا المنطلق، قرأ نقاد الملحمة بوصفها نصاً يعكس صراعاً بين الحاكم والمحكوم، ويعبّر عن هموم المجتمع إلى جانب تناوله عالم الملوك والآلهة.
غير أن وصف الملحمة بأنها كانت تُعرض بصورة منتظمة في الشوارع والساحات أو ضمن طقوس مسرحية يحتاج إلى الحذر؛ إذ لا تتوافر أدلة مباشرة كافية تثبت طريقة أدائها أمام الجمهور.
ويمكن القول إن بنيتها الحوارية ومشاهد الصراع والرثاء والحركة منحتها طابعاً درامياً واضحاً، لكنها وصلت إلينا أساساً في صورة نصوص مسمارية دوّنتها أجيال من الكتبة.
جذور سومرية وصياغة أكدية
لم تظهر ملحمة جلجامش دفعة واحدة بصورتها المعروفة اليوم، بل مرت بمراحل طويلة من التأليف والتدوين.
وتبدأ جذورها الأدبية بعدد من القصائد السومرية المستقلة التي تناولت جلجامش، أو «بلجامش» بحسب قراءة اسمه في النصوص السومرية، ومغامراته مع شخصيات مثل أنكيدو وخمبابا. وتشير الدراسات إلى أن بعض هذه القصائد دُوّن في أواخر الألف الثالث أو مطلع الألف الثاني قبل الميلاد.
واستُخدمت القصص السومرية لاحقاً مصدراً لصياغة روايات باللغة الأكدية، قبل أن تظهر النسخة البابلية القديمة من الملحمة نحو القرن الثامن عشر قبل الميلاد، والتي لم تصل منها إلا ألواح وأجزاء متفرقة.
أما النسخة البابلية القياسية، التي افتتحت بعبارة تُترجم عادة إلى «هو الذي رأى الأعماق»، فقد نُسب تحريرها في التقليد الرافديني إلى الكاتب سين-لقي-أونيني، ويرجح أنها اتخذت صورتها المعروفة خلال أواخر الألف الثاني قبل الميلاد.
ألواح نينوى تعيد الملحمة إلى العالم
وصلت أجزاء مهمة من النسخة البابلية القياسية من خلال ألواح عُثر عليها في مكتبة الملك الآشوري آشور بانيبال بمدينة نينوى، قرب الموصل، وتعود هذه النسخ إلى القرن السابع قبل الميلاد.
وضمت المكتبة أكثر من 30 ألف لوح وقطعة طينية مكتوبة بالخط المسماري، شملت نصوصاً أدبية ودينية وعلمية وإدارية من حضارات بلاد الرافدين.
ومن أشهر الألواح المكتشفة اللوح الحادي عشر، المعروف باسم لوح الطوفان، والذي أثار اهتماماً عالمياً عند فك رموزه في القرن التاسع عشر بسبب روايته لقصة طوفان تتشابه في بعض عناصرها مع روايات دينية لاحقة.
ولا تزال الملحمة غير مكتملة تماماً، إذ وصلت نصوصها من ألواح ونسخ مختلفة، بعضها مكسور أو مفقود، ويعمل الباحثون على مقارنة الشظايا لإعادة بناء النص.
جلجامش.. الملك الذي شكا منه شعبه
تبدأ النسخة البابلية القياسية بتقديم جلجامش ملكاً قوياً، يفوق البشر في قدراته، لكنه يسيء استخدام سلطته ويثقل كاهل سكان أوروك.
وإزاء شكاوى الناس، تخلق الآلهة أنكيدو، الرجل البري الذي عاش في الطبيعة بعيداً عن المدن، ليكون قوة موازية للملك.
وبعد انتقال أنكيدو إلى الحياة المدنية، يصل إلى أوروك ويواجه جلجامش في صراع جسدي عنيف، لكن المواجهة لا تنتهي بانتصار أحدهما بقدر ما تؤسس لصداقة تغير مسار حياتهما.
وتشكل هذه الصداقة نقطة التحول الأولى في الملحمة، إذ ينتقل جلجامش من ممارسة القوة داخل مدينته إلى خوض مغامرات مشتركة مع أنكيدو خارجها.
رحلة الصديقين إلى غابة الأرز
يقرر جلجامش وأنكيدو التوجه إلى غابة الأرز وقتل حارسها المخيف خمبابا، في رحلة يسعى من خلالها جلجامش إلى تحقيق المجد وتخليد اسمه.
ويتمكن الصديقان من قتل خمبابا، ثم يواجهان لاحقاً ثور السماء الذي ترسله الإلهة عشتار بعد أن يرفض جلجامش عرضها بالارتباط به.
لكن انتصاراتهما تستدعي غضب الآلهة، التي تقرر أن يدفع أحدهما الثمن، فيصاب أنكيدو بالمرض ويموت.
موت أنكيدو يغيّر مسار الملحمة
يمثل موت أنكيدو اللحظة الأكثر تأثيراً في شخصية جلجامش، إذ لا يفقد صديقه فحسب، بل يواجه للمرة الأولى حقيقة موته الشخصي.
ويندفع الملك إلى رثاء أنكيدو وإقامة مراسم الحداد، ثم يغادر أوروك مرتدياً الجلود، باحثاً عن وسيلة تمكنه من الإفلات من المصير الذي حل بصديقه.
ومن هنا تنتقل الملحمة من حكاية بطولات وانتصارات إلى رحلة وجودية يتساءل فيها البطل عن الموت وحدود الإنسان.
البحث عن سر الحياة الأبدية
يسافر جلجامش بحثاً عن أوتنابشتم، الناجي من الطوفان الذي منحته الآلهة وزوجته حياة استثنائية بعيدة عن عالم البشر.
وبعد رحلة محفوفة بالمخاطر، يصل إليه ويسأله عن سر الخلود، فيروي له أوتنابشتم قصة الطوفان، ثم يختبر قدرته على مقاومة النوم.
لكن جلجامش يفشل في البقاء مستيقظاً، ليدرك أن الإنسان الذي لا يستطيع الانتصار على النوم لا يستطيع الانتصار على الموت.
وقبل عودته، يخبره أوتنابشتم عن نبتة في أعماق المياه يمكن أن تعيد للإنسان شبابه. ويتمكن جلجامش من الحصول عليها، لكنه لا يأكلها مباشرة، بل يقرر حملها إلى أوروك وتجربتها على أحد شيوخ المدينة.
وأثناء توقفه للاغتسال، تأتي حية وتسرق النبتة، ثم تبدل جلدها، في إشارة رمزية إلى تجدد الحياة الذي حُرم منه الإنسان.
العودة إلى أسوار أوروك
يعود جلجامش إلى مدينته من دون نبتة الشباب ومن دون الخلود الذي سعى إليه.
وتختتم رحلته بالتأمل في أسوار أوروك وأعمالها العمرانية، في تحول لافت من البحث عن خلود الجسد إلى إدراك قيمة ما يصنعه الإنسان ويتركه بعد موته.
ولا تنص الملحمة بصورة مباشرة على أن العدل والبناء يمنحان الخلود، إلا أن نهايتها فُسرت على نطاق واسع باعتبارها اعترافاً بأن أثر الإنسان في مجتمعه وأعماله هو الشكل الممكن للخلود.
صراع الإنسان مع الموت
يرى الباحث والناقد جاسم عاصي أن الملحمة تتناول صراع الإنسان مع نفسه ومع القوى القاهرة، وتعكس ما يعانيه الناس من ظلم وخوف وفقدان.
وبهذه القراءة، لا تكون رحلة جلجامش مجرد بحث أسطوري عن نبتة سحرية، بل مواجهة بين رغبة الإنسان في البقاء وحقيقة فنائه.
كما تكشف الملحمة تطور شخصية البطل؛ إذ يبدأ ملكاً يرى القوة وسيلة لفرض إرادته، ثم يتحول بفعل الصداقة والفقد إلى إنسان يدرك ضعفه وحدوده.
أنكيدو بوصفه قوة للتغيير
لا تقتصر وظيفة أنكيدو على مواجهة جلجامش، بل يصبح مرآة تكشف له جانباً آخر من ذاته.
فهو يبدأ رجلاً برياً قريباً من الحيوان والطبيعة، ثم ينتقل تدريجياً إلى المجتمع ويتعلم عاداته، بينما يبدأ جلجامش ملكاً متحضراً لكنه يتصرف بعنف، قبل أن تعيد الصداقة تشكيل سلوكه.
ويجسد الاثنان مسارين متقابلين: أنكيدو يتحرك من الطبيعة إلى المدينة، وجلجامش يتحرك من وهم القوة المطلقة إلى إدراك إنسانيته.
المرأة والمعرفة في الملحمة
تؤدي الشخصيات النسائية أدواراً محورية في تطور الأحداث، بدءاً من شمخت التي تساعد أنكيدو على الانتقال إلى العالم المدني، مروراً بننسون، والدة جلجامش، التي تقدم النصح وتطلب الحماية لابنها، وصولاً إلى سيدوري صاحبة الحانة.
وتواجه سيدوري جلجامش خلال رحلته، وتدعوه في إحدى نسخ القصة إلى تقبل نصيب الإنسان والاستمتاع بالحياة اليومية والعائلة، بدلاً من الاستسلام للسعي المستحيل وراء الخلود.
وتكشف هذه الشخصيات أن المعرفة في الملحمة لا ترتبط بالقوة الجسدية وحدها، بل بالنصيحة والرعاية وفهم طبيعة الحياة.
الرقم سبعة ودلالاته الرمزية
يتكرر الرقم سبعة في نصوص وأساطير متعددة من حضارات بلاد الرافدين، وظهر في عدد من الوقائع المرتبطة بالطقوس والآلهة ومراحل الزمن.
ويربط بعض الباحثين هذا التكرار بالدلالات الدينية والكونية التي اكتسبها الرقم في الثقافات القديمة.
غير أن تفسير كل موضع يرد فيه الرقم سبعة على أنه جزء من نظام رمزي موحد يظل قراءة تأويلية، ويجب تمييزه عن المعلومات التي يذكرها النص صراحة.
لماذا بقيت ملحمة جلجامش حية؟
تكمن قوة الملحمة في أنها لا تقدم بطلاً مثالياً خالياً من العيوب، بل شخصية متناقضة تتغير بالتجربة.
فجلجامش يمارس الطغيان، ثم يتعلم الصداقة، ويحقق الانتصارات، ثم ينهزم أمام الموت، ويبحث عن الخلود، ثم يعود إلى مدينته مدركاً أن الحياة محدودة.
ولهذا تجاوزت الملحمة زمنها ومكانها، وتُرجمت إلى لغات عديدة، وألهمت أعمالاً أدبية ومسرحية وفنية حديثة، من بينها أعمال للفنان العراقي ضياء العزاوي خلال ستينيات القرن العشرين.
وبعد آلاف السنين، ما زال السؤال الذي حمله جلجامش معه قائماً: كيف يستطيع الإنسان أن يمنح حياته معنى وهو يعرف أنها لن تدوم؟

