لم تكن القصة العربية الحديثة في يوم من الأيام مجرّد عبث لغوي أو تلاعب بأهواء القراء، بل شكّلت على أيدي كتّابها الكبار مجالًا أدبيًا ملتزمًا ومعبّرًا عن قضايا المجتمع العربي. فقد قدّمت القصة القصيرة شخصيات وأحداثًا عكست هموم الواقع وتناقضاته، وتحولت بعض النماذج إلى رموز راسخة في الذاكرة العربية.
لكن في المقابل، برز خط قصصي آخر اتسم بالعبثية واللامبالاة، حيث غابت الهموم الاجتماعية والوطنية لصالح نصوص تُغرق القارئ في تجارب ذاتية ضيقة أو هواجس فردية معزولة.
يظهر هذا التيار فيما يُعرف بـ”الفن من أجل الفن”، حيث يكتفي الكاتب بسرد أحلام ومشاهد شخصية بلا علاقة بواقع الجماعة. ففي قصص من هذا النمط، نجد أبطالًا غارقين في الشرود والرقص والسهر، بعيدًا عن أي صراع اجتماعي أو إنساني قادر على إثارة القارئ.
هذه النصوص –بحسب ناقدين– تفرّط بوعي القارئ وتدعوه إلى مشاركة أبطالها أحلامًا بلا قيمة موضوعية أو جمالية، لتظل حبيسة العبث الذاتي.
مع صعود فن القصة القصيرة جدًا، اتسعت دائرة هذا العبث. فكما نقلنا قصيدة “الهايكو” اليابانية، تسللت إلينا القصة المقتضبة القادمة من التجربة الأوروبية، حتى باتت نصوص لا تتجاوز السطر الواحد تُقدَّم باعتبارها “قصصًا مكتملة”.
ورغم وجود نماذج عالمية وعربية بليغة في هذا اللون الأدبي (مثل نصوص همنغواي، تشيخوف، وزكريا تامر)، إلا أن المشكلة تكمن في أن هذه الصيغة أغرت كثيرين من الهواة غير المتمكنين، فحوّلوها إلى مجرد جمل عابرة أقرب إلى أخبار سريعة لا تمتلك مقومات السرد القصصي من زمن ومكان وشخصيات وصراع.
يرى مؤيدو هذا الشكل الأدبي أن القصة القصيرة جدًا ساهمت في:
تدريب الكتّاب على التكثيف والإيجاز.
فتح المجال أمام التجريب والتجديد في أساليب القص.
توسيع دائرة القراء في عصر السرعة.
لكنّ منتقديها يشيرون إلى أنها في المقابل:
فتحت الباب أمام كتابات ضعيفة وسطحية.
كرّست الخلط بين الخبر الصحفي والقصة الأدبية.
أضعفت حضور القصة القصيرة التقليدية الجادة.
يبقى السؤال: هل انتقلنا من “عبث القصة القصيرة” إلى “عبث القصة القصيرة جدًا”؟ أم أن هذه الأشكال الجديدة يمكن أن تُثري الأدب العربي إذا مورست بوعي ومسؤولية؟
الجواب –كما يرى النقاد– يحتاج إلى دراسات معمقة تميّز بين النصوص الجادة التي تبتكر وتكثّف بمهارة، وتلك التي لا تتجاوز كونها تقليدًا عابرًا لما يُترجم من الآداب الأجنبية، دون وعي بخصوصية السياق الثقافي العربي.