رغم غياب التكنولوجيا الحديثة، ابتكر القدماء وسائل فعالة لحفظ الطعام ومنع فساده، حتى إن بعض المنتجات المحفوظة بهذه الطرق بقيت آثارها لآلاف السنين.
وإذا كان حفظ الطعام بالتبريد بصورته الحديثة قد بدأ في منتصف القرن الثامن عشر، وتطور خلال القرن التاسع عشر، قبل أن تنتشر الثلاجات المنزلية على نطاق واسع بحلول عام 1940، فكيف تمكن البشر من تخزين غذائهم طوال آلاف السنين السابقة؟
تابعونا على التليكرام
يذكر موقع «ديسكفر» أن علماء الآثار عثروا على أدلة تشير إلى استخدام القدماء مجموعة واسعة من تقنيات حفظ الطعام، من بينها التجفيف والتمليح والتدخين والتخليل والتخمير، إلى جانب الاستفادة من وسائل التبريد الطبيعية، مثل الجداول والحفر تحت الأرض والأقبية.
كما لجأت بعض المجتمعات إلى ممارسات تبدو غير مألوفة اليوم، مثل دفن الزبدة في المستنقعات.
ورغم بساطة الأدوات المستخدمة، أثبتت بعض هذه الطرق فاعلية كبيرة، إلى درجة أن آثار بعض المنتجات المحفوظة بقيت لآلاف السنين.
طرق مبتكرة لمواجهة فساد الطعام
بحسب موقع «لايف ساينس»، كان على البشر قبل آلاف السنين ابتكار وسائل تؤدي إلى إبطاء نمو الكائنات الحية الدقيقة التي تسبب فساد الطعام أو الأمراض المنقولة عبر الأغذية.
ومن بين الوسائل المستخدمة آنذاك دفن الطعام في البرك ومستنقعات المياه العذبة، إضافة إلى تخزينه تحت الأرض.
حفظ اللحوم في البرك
وفرت البرك المائية مكانًا مناسبًا لتخزين أجزاء الحيوانات التي اصطادها القدماء، إذ كانت بقايا الصيد توضع عمدًا في برك طبيعية ضحلة.
ولم يكن الماء وحده المسؤول عن حفظ اللحوم، بل أسهم وجود بكتيريا «لاكتوباسيلوس» التي تعيش في المياه وتنتج حمض اللاكتيك، وهو منتج ثانوي للتنفس اللاهوائي، في إبطاء فسادها.
وعندما تستوطن هذه البكتيريا اللحوم المغمورة في البرك، يساعد حمض اللاكتيك الذي تنتجه على الحفاظ على الكتلة العضلية.
كما يعمل الحمض على جعل اللحوم أكثر طراوة، ويمنحها رائحة وطعمًا قويين.
وإلى جانب نشاط هذه البكتيريا، ساعدت درجات الحرارة المنخفضة وانخفاض مستويات الأكسجين في مياه البرك على إبطاء عملية التلف.
ماموث مخزن في الماء منذ آلاف السنين
في عام 2015، عثر مزارعان في ولاية ميشيغان الأميركية بالصدفة على عظم حوض ماموث، قبل أن يتدخل فريق بحثي لدراسة الموقع.
وتشير الأدلة إلى أنه قبل أكثر من 11 ألف عام، حين كانت قطعان الماموث تجوب أميركا الشمالية، ربما استخدم الصيادون البرك للاحتفاظ ببقايا صيدهم إلى حين الحاجة إليها.
وقال دانيال فيشر، الأستاذ في متحف جامعة ميشيغان لعلم الأحافير، لموقع «لايف ساينس»، إن صيد الماموث ربما جرى خلال فصل الخريف، ثم ذُبح الحيوان ووضعت قطع كبيرة منه في المياه داخل البرك الصغيرة المجاورة، بما سمح ببقاء اللحم صالحًا للاستخدام حتى الصيف التالي.
واستند فيشر في ذلك إلى تجارب أجراها باستخدام لحوم الغزلان والضأن وحتى الخيول، إذ وجد أن اللحوم ظلت قابلة للأكل بعد بقائها أشهرًا مغمورة في أحواض صغيرة وباردة مشابهة، شرط طهيها جيدًا قبل تناولها لقتل أي بكتيريا ضارة محتملة.
الدفن تحت الأرض
لم تكن البرك الطبيعية متاحة لجميع المجتمعات، ولذلك استُخدم الدفن تحت الأرض وسيلة أخرى لحفظ الأغذية.
ويؤدي دفن الطعام إلى حمايته من أشعة الشمس والحرارة والأكسجين، وهي عوامل تسهم في تسريع عملية فساده.
زبدة المستنقعات
المستنقع أرض رطبة من المياه العذبة تتميز بأرضية إسفنجية رخوة تتكون أساسًا من مادة نباتية متحللة جزئيًا تُعرف باسم الخث.
وتوفر المستنقعات بيئة باردة ومنخفضة الأكسجين، فضلًا عن مستوى حموضة يساعد على حفظ بعض الأطعمة القابلة للتلف، الأمر الذي جعلها وسيلة تخزين للمجتمعات الزراعية القديمة.
واستخدمت هذه الطريقة خصوصًا في شمال أوروبا، حيث كانت بعض المجتمعات تضع الأطعمة، ومن بينها الزبدة ومنتجات الألبان، داخل المستنقعات بهدف حفظها لفترات أطول.
وقد عثر علماء آثار داخل الوحل المشبع بالمياه على كتل شمعية تشبه البارافين. وبعد تحليلها كيميائيًا، تبين أنها ناتجة من منتجات الألبان، وأطلق عليها اسم «زبدة المستنقعات».
وقالت جيسيكا سميث، الأستاذة المساعدة في كلية الآثار بجامعة دبلن، والتي نشرت دراسة عن «زبدة المستنقعات» في دورية «نيتشر» عام 2019، إن الدهون الموجودة في الزبدة الطازجة تتحلل خلال عامين أو ثلاثة أعوام إلى كتلة من الأحماض الدهنية.
من الجليد الطبيعي إلى الثلاجة الكهربائية
ووفقًا لموقع «فيرمونت ببليك»، اعتقد فريدريك تيودور، وهو رجل من ولاية ماساشوستس الأميركية عاش في القرن التاسع عشر، أن بإمكانه تحقيق ثروة من خلال شحن الجليد إلى المناطق الأكثر دفئًا في العالم.
وبعد عدة محاولات غير ناجحة، تمكن تيودور من إثبات وجود سوق تجارية للجليد، ليبدأ شحنه إلى مناطق مختلفة حول العالم.
وكان الجليد يُحفظ باستخدام مواد عازلة مثل القش ونشارة الخشب، ويُخزن في المستودعات إلى حين الحاجة إليه.
وفي ذلك الوقت، كان العمال يقطعون الجليد من البحيرات باستخدام المناشير اليدوية، ثم ظهرت لاحقًا آلات تجرها الخيول لتسهيل عملية القطع، رغم أنها ظلت مهمة شاقة ومحفوفة بالمخاطر.
وأصبح الجليد لاحقًا من الاحتياجات اليومية لسكان المدن، قبل أن يحل الجليد المصنّع في المصانع تدريجيًا محل الجليد المستخرج من الطبيعة.
صناديق الثلج تمهد لظهور الثلاجات
قبل انتشار الثلاجات الكهربائية، استُخدمت ما عُرف بـ«صناديق الثلج»، وهي صناديق خشبية أو معدنية تحتوي على حجرة علوية توضع فيها كتلة من الجليد.
وكان الهواء البارد يهبط من الجزء العلوي إلى الأطعمة الموضوعة في الأسفل، ما يساعد على خفض درجة حرارتها وتأخير فسادها.
وفي أوائل القرن العشرين ظهرت الثلاجات الكهربائية، قبل أن تنتشر بصورة واسعة في المنازل بحلول عام 1940، لتنقل حفظ الطعام إلى عصر جديد يعتمد على التبريد الصناعي بدل الوسائل الطبيعية التي استخدمها البشر على مدى آلاف السنين.

