كشفت صحيفة الإيكونوميست في تقرير حديث، أن الدولار الأميركي يمرّ بمرحلة ضعف غير مسبوقة منذ سنوات، مدفوعة بتوجهات وسياسات اتخذها الرئيس دونالد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض، ما أثار شكوكًا عميقة حول استقرار العملة الأميركية ومستقبلها كملاذ آمن عالمي.
ورغم ما أبدته الأسواق المالية الأميركية من مرونة نسبية تجاه الصدمات السياسية والاقتصادية الأخيرة، تؤكد الصحيفة أن هذا الاستقرار لا يعكس واقع الحال، بل يخفي قلقًا متناميًا لدى المستثمرين، خصوصًا مع تكرار قرارات مفاجئة ذات طابع حمائي.
وأشارت الصحيفة إلى أن إجراءات كان يُتوقّع أن تثير ذعر الأسواق – مثل فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على النحاس و30% على واردات الاتحاد الأوروبي – لم تؤثر كثيرًا، بسبب تبلّد استجابة المستثمرين بفعل تكرار الصدمات.
أحد الاستثناءات برز يوم 16 يوليو/تموز عندما لوّح ترامب بإقالة رئيس الاحتياطي الفدرالي جيروم باول، مما تسبب في اضطراب لحظي تمثل في ارتفاع عوائد السندات وتراجع قيمة الدولار، قبل أن تعود الأسواق سريعًا إلى مسارها الطبيعي وتسجّل المؤشرات مستويات قياسية جديدة في اليوم التالي.
وبيّنت الصحيفة أن الدولار فقد نحو 10% من قيمته أمام سلة من عملات الدول المتقدمة منذ تنصيب ترامب، في تناقض واضح مع توقعات وزير الخزانة سكوت بيسنت الذي رجّح أن تؤدي السياسات الحمائية إلى تعزيز الدولار.
تشير الإيكونوميست إلى انهيار العلاقة التقليدية بين أسعار الفائدة وقيمة الدولار، وهو ما تجلّى في أبريل/نيسان حين قوبلت زيادة عوائد السندات الأميركية بانخفاض في سعر الدولار، وهي ظاهرة نادرة في الاقتصادات المتقدمة لكنها مألوفة في الأسواق الناشئة.
وقد شبّه التقرير هذا النمط بما حصل في أزمة السندات البريطانية خلال عهد ليز تراس عام 2022، مؤكدًا أن الدولار لم يسترد ما خسره رغم عودة العلاقة إلى طبيعتها لاحقًا.
الصحيفة توضح أن تقييم أداء الدولار لم يعد قائمًا فقط على الفائدة، بل بات مرتبطًا بعوامل بنيوية مثل النمو الاقتصادي والثقة بالسياسات المالية، والتي أصبحت محل شك في ظل ما تصفه بـ”العبث اليومي في البيت الأبيض“.
واحدة من أكثر الإشارات دلالة على التغير الحاصل، برزت عندما ارتفع مؤشر التقلب (VIX) – مقياس الخوف في الأسواق – في الوقت ذاته الذي تراجع فيه الدولار، وهو انقلاب واضح في سلوك المستثمرين تجاه العملة الأميركية.
وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن الباحث ستيفن كامين اقتراحه باستخدام العلاقة بين VIX وسعر الدولار (بعد التحكم في الفائدة) كمؤشر على “هشاشة الدولار”، مشيرًا إلى تصاعد هذه الهشاشة منذ يوم تنصيب ترامب.
وترى الإيكونوميست أن الضرر الذي لحق بالدولار لا يزال قائماً، وأن أي أزمة جديدة – خصوصًا إذا نُفّذت التهديدات الجمركية المقررة مطلع أغسطس/آب – قد تؤدي إلى موجة اضطراب جديدة في الأسواق.
وتحذّر الصحيفة من أن استقلالية الاحتياطي الفدرالي تواجه تهديدًا مباشرًا بفعل الضغوط السياسية، وهو ما يزيد من مخاوف الأسواق حيال مستقبل السياسات النقدية الأميركية.
تختم الإيكونوميست تقريرها بالقول إن “الدولار الأميركي لم يسقط بعد، لكنه تلقّى ضربات واضحة في صميم صورته كعملة لا تُمس”، مؤكدة أن مراقبي الأسواق لن ينتظروا طويلاً قبل أن يخضع الدولار لاختبار جديد في ظل الأوضاع المضطربة لعام 2025.