Site icon قناة الفلوجة | Alfallujah Tv

سعد بن أبي وقاص.. كيف تحول الرامي الماهر إلى أحد أبرز قادة الفتوحات؟

أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص مالك الزهري القرشي (23 ق هـ أو 27 ق هـ – 55 هـ / 595 أو 599 – 674م)، أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، وقيل إنه ثالث من أسلم، وقيل السابع.

وكان سعد أول من رمى بسهم في سبيل الله، وقال له النبي ﷺ: «ارم فداك أبي وأمي»، وهو من أخوال النبي، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب لاختيار الخليفة من بعده.

هاجر سعد إلى المدينة المنورة، وشهد غزوة بدر وأُحد، وثبت فيها حين ولّى الناس، كما شهد الخندق، وبايع في الحديبية، وشارك في خيبر وفتح مكة، وكانت معه يومئذ إحدى رايات المهاجرين الثلاث.

وشهد سعد المشاهد كلها مع النبي ﷺ، وعُرف بمهارته في الرمي. وفي عهد عمر بن الخطاب، تولى قيادة الجيوش التي أرسلها لقتال الفرس، فانتصر عليهم في معركة القادسية، وأرسل جيشًا لقتالهم في جلولاء فهزمهم، كما فتح مدائن كسرى في العراق.

وكان بذلك أحد قادة الفتح الإسلامي لفارس، وأول ولاة الكوفة، إذ أنشأها بأمر عمر سنة 17 هـ.

كما جعله عمر بن الخطاب ضمن الستة أصحاب الشورى الذين رشحهم للخلافة من بعده، وقال عنهم: «هم الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض».

واعتزل سعد الفتنة بين علي ومعاوية، وتوفي سنة 55 هـ في العقيق، ودُفن في المدينة، وكان آخر المهاجرين وفاةً.

نسب سعد بن أبي وقاص

هو سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري، واسم أبي وقاص: مالك بن وُهيب، وقيل: أُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

أما أمه فهي حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وقيل: حمنة بنت أبي سفيان بن أمية، بنت عم أبي سفيان بن حرب بن أمية.

ويلتقي نسب سعد مع النبي ﷺ في كلاب بن مرة، وهو من بني زهرة، وهم فخذ آمنة بنت وهب أم الرسول، ولذلك يُعد من أخوال النبي.

إخوة سعد بن أبي وقاص

من إخوته عامر بن أبي وقاص، وكان من السابقين الأولين ومن مهاجرة الحبشة، وشهد غزوة أُحد، وكان يحمل الرسائل من قادة جيوش المسلمين في الشام إلى الخليفة في المدينة المنورة، كما كان نائبًا لأبي عبيدة على إمارة جند الشام.

ومن إخوته أيضًا عتبة بن أبي وقاص، الذي اختُلف في إسلامه، وقيل إنه الذي كسر رباعية النبي ﷺ في غزوة أُحد وإنه مات كافرًا، وهو والد هاشم بن عتبة.

أما عمير بن أبي وقاص فأسلم مبكرًا، وقُتل في غزوة بدر وهو ابن ست عشرة سنة.

مولده وصفاته

ولد سعد بن أبي وقاص في مكة، واختلف في عام مولده، فقيل إنه ولد سنة 23 قبل الهجرة، وقيل إنه ولد قبل البعثة بتسع عشرة سنة، استنادًا إلى قوله: «أسلمت وأنا ابن تسع عشرة سنة».

نشأ سعد في قريش، واشتغل في بري السهام وصناعة القسي.

وكان رجلًا قصيرًا، دحداحًا، غليظًا، ذا هامة، شثن الأصابع، جعد الشعر، أشعر الجسد، آدم، أفطس، وكان يخضب بالسواد.

كما عُرف بحدة بصره، إذ رأى ذات يوم شيئًا يقترب، فقال لمن معه: «ترون شيئًا؟»، فقالوا: «نرى شيئًا كالطائر»، فقال: «أرى راكبًا على بعير». ثم جاء بعد قليل عم سعد على بُختي، فقال سعد: «اللهم إنا نعوذ بك من شر ما جاء به».

إسلام سعد بن أبي وقاص

كان سعد من أوائل الداخلين في الإسلام، وروي أنه كان سابع سبعة، كما قيل إنه أسلم بعد ستة، وقيل بعد أربعة.

وكان إسلامه قبل فرض الصلاة، وهو ابن تسع عشرة سنة، وقيل سبع عشرة سنة.

وقال أبو القاسم الأصبهاني عنه: «أسلم وما في وجهه شعرة»، في إشارة إلى صغر سنه.

وجاء في صحيح البخاري قول سعد: «ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام».

ورُوي عن عتبة بن غزوان قوله: «لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، غير أني التقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد، وما بقي من الرهط السبعة أحد إلا وهو أمير على مصر من الأمصار».

رؤيا سبقت إسلامه

جاء في سبب إسلام سعد أنه رأى رؤيا تحثه على الدخول في الإسلام.

وروت ابنته عائشة عنه قوله إنه رأى في المنام، قبل إسلامه، كأنه في ظلمة لا يبصر شيئًا، ثم أضاء له قمر فاتبعه، ورأى ممن سبقه إليه زيد بن حارثة وعلي بن أبي طالب وأبا بكر.

وسألهم متى وصلوا إلى ذلك المكان، فأجابوه: «الساعة».

وبلغه بعد ذلك أن رسول الله ﷺ يدعو إلى الإسلام مستخفياً، فلقيه في شعب أجياد بعدما صلى العصر، فأسلم.

وكان أبو بكر يدعو إلى الإسلام من وثق بهم من قومه، وكان سعد ممن دعاهم.

وذكر ابن إسحاق أن ممن أسلموا على يد أبي بكر: الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وأنهم ذهبوا مع أبي بكر إلى رسول الله ﷺ، فعرض عليهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن وأخبرهم بحق الإسلام وما وعدهم الله من الكرامة، فآمنوا وصدقوا.

موقف والدته من إسلامه

عارضت أم سعد إسلامه، وحين علمت بدخوله في الدين الجديد هددته بأنها لن تأكل أو تشرب حتى تموت، في محاولة لإجباره على الرجوع عن الإسلام.

لكن سعد رفض التخلي عن دينه، وقال إن الآية: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، من سورة لقمان، نزلت فيه.

وقال سعد إنه كان رجلًا بارًا بأمه، فلما أسلم قالت له: «يا سعد، ما هذا الدين الذي أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي».

وطلب منها سعد ألا تفعل ذلك، مؤكدًا أنه لن يترك دينه.

ومكثت يومًا وليلة لا تأكل حتى اشتد عليها الجهد، فقال لها: «والله لو كانت لك ألف نفس، فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني هذا لشيء». وحين رأت إصراره أكلت وشربت.

أول دم أريق في الإسلام

كان سعد أول من أراق دمًا في سبيل الله، وفق ما ورد في النص.

فقد كان المسلمون في مكة، عندما يريدون الصلاة، يذهبون إلى الشعاب ويستخفون بصلاتهم عن قومهم.

وبينما كان سعد في نفر من المسلمين بأحد شعاب مكة، ظهر عليهم نفر من قريش، فأنكروا عليهم فعلهم وعابوا دينهم، ووقع قتال بينهم.

فضرب سعد رجلًا بلحي جمل فشجه، فكان ذلك أول دم أريق في الإسلام، وقيل إن الرجل الذي شُج هو عبد الله بن خطل.

الهجرة إلى المدينة

كان سعد من المهاجرين الأوائل إلى المدينة، وهاجر إليها قبل قدوم النبي ﷺ.

وعن البراء بن عازب أنه قال: «أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرئان الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدم النبي صلى الله عليه وسلم».

ولما هاجر سعد مع أخيه عمير بن أبي وقاص من مكة إلى المدينة، نزلا في منزل لأخيهما عتبة بن أبي وقاص، كان قد بناه في بني عمرو بن عوف، وكانت له فيه حائط.

وكان عتبة قد أصاب دمًا في مكة فهرب ونزل في بني عمرو بن عوف، وكان ذلك قبل البعثة النبوية.

مشاركته في غزوات النبي

شهد سعد بن أبي وقاص جميع الغزوات مع النبي ﷺ، ومن بينها بدر وأُحد، التي ثبت فيها حين ولّى الناس، والخندق وخيبر وفتح مكة، كما بايع في الحديبية.

وكانت معه يوم فتح مكة إحدى رايات المهاجرين الثلاث.

وعُرف سعد بمهارته في الرمي، وكان أول من رمى بسهم في سبيل الله، كما كان أحد الفرسان الذين تولوا حراسة النبي ﷺ في مغازيه.

وجاء عنه قوله: «لقد شهدت بدرًا وما في وجهي غير شعرة واحدة أمسها، ثم أكثر الله لي بعد من اللحي»، ويعني بذلك الأولاد الكثيرين.

سرية سعد بن أبي وقاص

شارك سعد في سرية عبيدة بن الحارث في شوال، على رأس ثمانية أشهر من الهجرة إلى المدينة، وكان معه يومئذ المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان.

كما أرسل النبي ﷺ سعدًا على رأس سرية إلى الخرار، وكانت ثالث سرية يرسلها النبي، وذلك في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من الهجرة إلى المدينة المنورة.

وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو، وبعثه في عشرين رجلًا من المهاجرين لاعتراض عير لقريش تمر بالمكان، وعهد إليه ألا يجاوز الخرار.

وقال سعد عن تلك السرية: «فخرجنا على أقدامنا، فكنا نكمن النهار ونسير الليل حتى صبحناها صبح خمس، فنجد العير قد مرت بالأمس، فانصرفنا إلى المدينة».

سعد في غزوة بدر

شهد سعد غزوة بدر، وأرسله النبي ﷺ في بداية المعركة مع علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ونفر من أصحابه إلى ماء بدر، لجمع الأخبار عن جيش قريش.

وعثروا على غلامين لقريش كانا يستقيان الماء للجيش، فجاؤوا بهما إلى النبي ﷺ وهو يصلي.

وأخبر الغلامان أنهم من سقاة قريش، لكن القوم كانوا يرجون أن يكونا تابعين لأبي سفيان، فضربوهما حتى قالا إنهما لأبي سفيان.

وبعد انتهاء النبي ﷺ من الصلاة، قال: «إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما! صدقا والله، إنهما لقريش».

وسأل النبي الغلامين عن جيش قريش، فأخبراه بأنه وراء الكثيب في العدوة القصوى.

ولما سألهما عن عدد القوم لم يعرفا، فسألهما عن عدد ما ينحرونه يوميًا، فقالا: «يومًا تسعًا ويومًا عشرًا»، فقال النبي ﷺ: «القوم ما بين التسعمائة والألف».

ثم سألهما عن أشراف قريش الموجودين في الجيش، فذكرا عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبا البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، والنضر بن الحارث بن كلدة، وزمعة بن الأسود، ونبيه بن الحجاج، ومنبه بن الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود.

فأقبل النبي ﷺ إلى أصحابه قائلًا: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها».



                                             تابعونا على التليكرام



قتاله يوم بدر

أبلى سعد بلاءً حسنًا في بدر، وقال عبد الله بن مسعود: «لقد رأيت سعدًا يقاتل يوم بدر قتال الفارس في الرجال».

وقُتل أخوه عمير في المعركة، فيما قتل سعد سعيد بن العاص وأخذ سيفه، الذي كان يسمى «ذا الكتيفة».

وذهب سعد إلى النبي ﷺ يستأذنه في أخذ السيف، فقال له: «اذهب فاطرحه في القبض».

فرجع سعد، ثم نزلت سورة الأنفال، فقال له النبي ﷺ: «اذهب فخذ سيفك».

ورُوي كذلك أن سعدًا أسر أسيرين يوم بدر.

ثباته في غزوة أُحد

شهد سعد غزوة أُحد وثبت مع النبي ﷺ حين ولّى الناس، وكان من الرماة يومها.

وقال الزهري: «رمى سعد يوم أُحد ألف سهم».

وكان النبي ﷺ يقول له: «ارم فداك أبي وأمي».

وقال سعد في ذلك:

ألا هل أتى رسولَ اللهِ أني
حميتُ صحابتي بصدور نبلي

أذود بها عدوهم ذيادًا
بكل حزونة وبكل سهل

فما يعتد رامٍ من معدٍ
بسهم مع رسول الله قبلي

وروى سعد أيضًا: «رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله يوم أُحد رجلين عليهما ثياب بيض، ما رأيتهما قبل ولا بعد».

سعد في عهد أبي بكر

بعد وفاة النبي ﷺ واستخلاف أبي بكر الصديق، كان سعد ضمن جيشه.

وعندما خرج جيش أسامة بن زيد من المدينة وطمع الأعراب فيها، جعل أبو بكر حراسًا على أنقاب المدينة يبيتون حولها، وكان من بينهم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص.

ثم خرج سعد مع أبي بكر لقتال الأعراب في حروب الردة.

الطريق إلى إمارة العراق

أرسل أبو بكر الصديق خالد بن الوليد من العراق إلى الشام، وبعد وفاة أبي بكر استخلف عمر بن الخطاب أبا عبيد الثقفي على أجناد العراق سنة 13 هـ.

لكن فترة أبي عبيد كانت قصيرة، إذ استشهد بعد بضعة أشهر في معركة الجسر.

وبعد مقتله، انتظم شمل الفرس واجتمع أمرهم على يزدجرد الثالث، ونقض أهل الذمة عهودهم التي كانوا قد عاهدوا المسلمين عليها، وأخرجوا عمال المسلمين من بينهم.

وغضب عمر بن الخطاب، وركب في أول يوم من المحرم سنة 14 هـ، عازمًا على غزو العراق بنفسه، واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب.

وعقد عمر مجلسًا لاستشارة الصحابة في الأمر، ونودي أن الصلاة جامعة، وأرسل إلى علي فقدم من المدينة.

ووافق الصحابة على ذهاب عمر إلى العراق، باستثناء عبد الرحمن بن عوف، الذي قال له: «إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر أقطار الأرض، وإني أرى أن تبعث رجلًا وترجع أنت إلى المدينة».

فارتأى عمر والناس صواب رأي عبد الرحمن بن عوف.

وسأله عمر: «فمن ترى أن نبعث إلى العراق؟»، فأجابه: «قد وجدته».

قال عمر: «من هو؟».

فقال عبد الرحمن بن عوف: «الأسد في براثنه سعد بن مالك الزهري».

فاستجاد عمر قوله، وأرسل إلى سعد، وأمّره على العراق.

Exit mobile version