حزن الحيوانات.. حين حملت “تاليكواه” صغيرها الميت 17 يومًا
Alfallujah
هل تحزن الحيوانات؟ قصة “تاليكواه” التي أعادت طرح السؤال الإنساني القديم
في عام 2018، أبكت أنثى حوت الأوركا القاتل “تاليكواه” العالم حين حملت صغيرها الميت فوق جسدها لمسافة تجاوزت 1600 كيلومتر في ما عرف بـ”جولة الحزن”. لسبعة عشر يومًا متواصلة، كانت تغوص مرارًا لاستعادة جسده كلما انزلق بعيدًا، حتى بعدما بدأ يتحلل. مشهد أثار دهشة العلماء ووجدان الناس في آن واحد، ليُعيد السؤال الأبدي: هل تحزن الحيوانات فعلًا؟
تقول الباحثة باربرا كينغ، أستاذة الأنثروبولوجيا بجامعة ويليام وماري في فرجينيا، إن تصرف تاليكواه “ليس مجرد رد فعل غريزي”، بل تعبير عن وعي بالحزن والفقد. وتوضح أن الأوركا “كائنات ذكية وواعية، تعرف أن صغيرها قد مات، لكنها تظل متشبثة به كما نفعل نحن”.
وقبل أسابيع فقط، شهد العلماء مشهدًا مشابهًا في مضيق روزاريو بواشنطن، حين دفعت أنثى أوركا أخرى صغيرها الميت الذي لا يزال متصلاً بها بالحبل السري، في محاولة لإنعاشه. تصرفت كما لو كانت تحاول أن ترجع إليه الحياة، ثم اختفى الجنين بعد يوم.
حزن عابر للأنواع
تظهر علامات الحزن في عالم الحيوان بأشكال متعددة. الفيلة تبقى إلى جوار موتاها، تلمسها بخراطيمها وتغطيها بالتراب والنباتات، بينما القرود تحتضن صغارها الميتة لأيام. أما الغربان فتجتمع حول جثث رفاقها وتطلق أصواتًا صاخبة تشبه “جنازة جماعية”.
حتى الدلافين تعرف بوفائها؛ فقد رصدت وهي تحمل جثث صغارها على سطح الماء وتحرسها لأيام، رافضة التخلي عنها. وتشير الدراسات إلى أن بعض الرئيسيات تظهر تغيرات في السلوك تشبه اكتئاب الإنسان، مثل العزلة وفقدان الشهية والنوم المضطرب.
قياس الحزن علميًا
في دراسة أجريت عام 2006، وجد الباحثون أن إناث قرود البابون التي فقدت أقرباء لهن أظهرن ارتفاعًا في هرمونات التوتر “الغلوكوكورتيكويدات”، ما يشير إلى استجابة عاطفية قوية للفقد. ثم لاحظوا أن هذه الإناث وسّعن تفاعلهن الاجتماعي بعد الحادثة لتعويض غياب الرفيق، وهو ما يشبه إلى حد كبير سلوك البشر بعد الحداد.
بين الغريزة والعاطفة
يرفض بعض العلماء وصف هذه التصرفات بأنها “حزن” بالمعنى الإنساني، معتبرينها سلوكيات غريزية أو تكيفية. لكن آخرين، مثل باربرا كينغ، يرون أن هذا الإنكار نابع من خوف الإنسان من الاعتراف بأننا لسنا وحدنا في امتلاك الوعي العاطفي.
تقول كينغ: “ليس كل الحيوانات تحزن بالطريقة نفسها، لكن غياب الدليل ليس دليلاً على الغياب. فكل نوع يعبر عن حزنه بطريقته الخاصة، بصمت الفيلة، أو بصراخ الشمبانزي، أو بصمود الحوت الذي يرفض الوداع”.
مسؤوليتنا تجاه مشاعر الكائنات
من وجهة نظر أخلاقية، لا ينبغي أن تكون القدرة على الحزن مقياسًا لطريقة تعاملنا مع الحيوانات. فحتى الكائنات التي لا تظهر حزناً ظاهراً، مثل الأخطبوط أو النحل، تملك حياة ووعياً خاصاً يستحق الاحترام. إن فهمنا لحزن الحيوانات لا يجعلنا فقط نعرفها أكثر، بل يذكرنا بإنسانيتنا المشتركة معها، وبأننا جميعًا — مهما اختلفت أشكالنا — نسعى للحياة ونخاف الفقد ونحزن على الراحلين.