تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي التي تشغّل منصات مثل «تشات جي بي تي» و«جيميناي» و«كلود» على كميات هائلة من البيانات، تشمل كتبًا ومقالات منشورة وأبحاثًا أكاديمية ومحتوى متاحًا عبر الإنترنت.
ويعني ذلك أن أعمال عدد كبير من المؤلفين والناشرين دخلت، من دون علمهم أو موافقتهم في كثير من الحالات، ضمن البيانات المستخدمة في تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي التي يخشى بعضهم من تأثيرها في مصادر دخلهم.
تابعونا على التلكرام
وقد يبدو استخدام هذه المواد للوهلة الأولى انتهاكًا واضحًا لحقوق النشر، لكن الصورة القانونية أكثر تعقيدًا، وفق تقرير نشره موقع «تك كرانش».
وقالت كاثي غيليس، المحامية المتخصصة في الملكية الفكرية وحقوق النشر والتكنولوجيا، إن القضية تنطوي على تداخل كبير بين الجوانب القانونية والتكنولوجية، إلى جانب مواقف متباينة بشدة بشأن استخدام المحتوى المحمي في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
تسوية أنثروبيك تعيد رسم حدود القضية
في عام 2025، أصدر القاضي الأميركي ويليام ألسوب أحد أبرز الأحكام المبكرة المتعلقة باستخدام الكتب المحمية بحقوق النشر في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، ضمن الدعوى المقامة ضد شركة «أنثروبيك».
وتوصل ألسوب إلى أن استخدام الكتب في تدريب نماذج الشركة، في ظروف القضية، يمكن اعتباره استخدامًا تحويليًا يندرج ضمن مفهوم «الاستخدام العادل».
لكن المحكمة تعاملت بصورة مختلفة مع الطريقة التي حصلت بها الشركة على بعض الكتب، بعدما تبين أنها حمّلت ملايين الأعمال من مكتبات إلكترونية مقرصنة تعرف باسم «المكتبات الظلية».
وبعد الحكم، توصلت «أنثروبيك» إلى تسوية جماعية بقيمة 1.5 مليار دولار مع مؤلفين وأصحاب حقوق، حصلت لاحقًا على الموافقة القضائية النهائية.
وشبّه ألسوب الطريقة التي تتعلم بها نماذج اللغة الكبيرة من النصوص بالطريقة التي يقرأ بها الكاتب الأعمال الأدبية ويتعلم منها، معتبرًا أن الهدف من التدريب ليس بالضرورة إعادة إنتاج الكتب الأصلية أو إحلالها محلها، وإنما استخدام المعرفة المستخلصة لإنتاج محتوى مختلف.
وترى غيليس أن هذا الاتجاه قد يصب في مصلحة شركات الذكاء الاصطناعي، لأنه يفصل بين استخدام العمل في عملية التدريب وبين نسخه أو إعادة إنتاجه بطريقة تنافس النسخة الأصلية.
قانون يعود أساسه إلى نصف قرن
تتمثل إحدى الصعوبات الأساسية في أن الإطار الرئيسي لقانون حقوق النشر الأميركي يعود إلى قانون عام 1976، رغم إدخال تعديلات عليه لاحقًا، ما يضع المحاكم أمام مهمة تطبيق قواعد صيغت قبل ظهور الإنترنت والذكاء الاصطناعي التوليدي على تقنيات حديثة للغاية.
وقال جيسون هندرسون، المحامي المتخصص في الملكية الفكرية والإعلام، إن حالة عدم اليقين الحالية تعود جزئيًا إلى أن القواعد القانونية لم تُصمم أصلًا للإجابة عن سؤال يتعلق بتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على كميات ضخمة من المحتوى المحمي.
وتتركز الكثير من النزاعات حول مفهوم «الاستخدام العادل» أو Fair Use، الذي يسمح في ظروف محددة باستخدام مواد محمية بحقوق النشر من دون الحصول على إذن مسبق.
وتنظر المحاكم عند تقييم الاستخدام العادل إلى عدة عوامل، من بينها الغرض من الاستخدام وطبيعته، وطبيعة العمل المحمي، وحجم الجزء المستخدم، وتأثير الاستخدام في السوق المحتملة للعمل الأصلي.
المنافسة في السوق قد تكون العامل الحاسم
يرى هندرسون أن التأثير في السوق يمثل أحد أهم العناصر التي يمكن أن تحسم النزاعات المتعلقة بحقوق النشر والذكاء الاصطناعي.
وتزداد قوة حجج أصحاب الحقوق عندما تستخدم شركة أعمال جهة أخرى لبناء منتج ينافسها بصورة مباشرة، بينما قد تكون فرص قبول الاستخدام العادل أكبر عندما يكون الاستخدام مختلفًا عن الغرض التجاري للعمل الأصلي.
ومن أبرز الأمثلة قضية «تومسون رويترز» ضد شركة Ross Intelligence، التي اتُّهمت باستخدام محتوى تابع لمنصة Westlaw القانونية التابعة لـ«تومسون رويترز» في تطوير أداة أبحاث قانونية منافسة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وخلص القاضي ستيفانوس بيباس إلى أن استخدام Ross للمحتوى لم يكن تحويليًا بالقدر الكافي، مشيرًا إلى أن الشركة استخدمته لإنشاء منتج يؤدي غرضًا تنافسيًا مشابهًا.
وبناء على ذلك، لم تقبل المحكمة دفاع الشركة القائم على «الاستخدام العادل».
وقد يحاول المؤلفون استخدام منطق مشابه في قضايا تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بالقول إن الأنظمة المدربة على أعمالهم تستطيع إنتاج محتوى جديد ينافس الكتب والمقالات الأصلية في السوق، إلا أن هذه الحجة لم تؤدِ حتى الآن إلى قاعدة قضائية شاملة تحسم القضية.
التدريب شيء وحقوق المحتوى المولد شيء آخر
ترى غيليس أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي وحقوق النشر يتطلب الفصل بين مسألتين قانونيتين مختلفتين.
الأولى تتعلق بمدى قانونية استخدام الأعمال المحمية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، فيما تتعلق الثانية بإمكانية حماية المحتوى الذي تنتجه هذه النماذج نفسها بحقوق النشر.
وفي قضية Thaler v. Perlmutter، أيد القضاء الأميركي رفض منح حماية حقوق النشر لعمل أُنتج بصورة مستقلة بالكامل بواسطة نظام ذكاء اصطناعي، استنادًا إلى اشتراط وجود مساهمة بشرية في التأليف.
ويثير ذلك تساؤلات جديدة بشأن الأعمال التي تجمع بين الإبداع البشري واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وكيفية تحديد مقدار المساهمة البشرية اللازمة للحصول على الحماية القانونية.
وتوضح غيليس المسألة بمثال بسيط: إذا كتب شخص رواية باستخدام برنامج «مايكروسوفت وورد» واستعان بخاصية التدقيق الإملائي، فلا يعني ذلك أن البرنامج أصبح مؤلفًا مشاركًا أو يمتلك حقوقًا في الرواية.
لكن تطور أدوات الذكاء الاصطناعي يجعل تحديد الخط الفاصل بين الأداة والمساهمة الإبداعية أكثر تعقيدًا.
المعركة القانونية لم تُحسم
لا تزال شركات ذكاء اصطناعي كبرى تواجه دعاوى قضائية متعلقة باستخدام المحتوى المحمي بحقوق النشر في تدريب نماذجها، ما يجعل الوصول إلى قاعدة قانونية نهائية وشاملة أمرًا غير محسوم حتى الآن.
وقد بدأت الأحكام الأولى في رسم اتجاهات مهمة داخل القطاع، لكنها تظل مرتبطة بوقائع كل قضية، ويمكن لمحاكم أخرى أن تتبنى تفسيرات مختلفة.
وبالتالي، من المرجح أن يستمر الجدل القانوني خلال السنوات المقبلة، خصوصًا بشأن مصدر بيانات التدريب، ومدى اعتبار عملية التدريب استخدامًا تحويليًا، وتأثير المنتجات الناتجة في سوق الأعمال الأصلية.
وحتى تتبلور سوابق قضائية أكثر استقرارًا، سيبقى السؤال بشأن قانونية تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على الكتب والمحتوى المحمي بحقوق النشر بلا إجابة واحدة تنطبق على جميع الحالات.

