Site icon قناة الفلوجة | Alfallujah Tv

القهوة.. رحلة تاريخية من طقوس الصوفيين إلى المقاهي العالمية

القهوة أكثر بكثير من مجرد مشروب يومي. فتاريخها الممتد عبر القرون يجمع بين الأساطير والطقوس الدينية والتجارة والاستعمار والتحولات الاجتماعية، فيما بقي اسمها العربي حاضرًا في رحلة انتشرت من اليمن إلى مختلف أنحاء العالم.

أصبحت القهوة منذ زمن جزءًا من الثقافة الشعبية العالمية، من مشروب “فرابوتشينو” الشهير لدى ستاربكس، الذي احتفل في عام 2025 بمرور ثلاثين عامًا على ظهوره، إلى الصيحات المنتشرة على تيك توك مثل “دالغونا كوفي” و”كلاود كوفي”.


تابعونا على التليكرام


 

لكن هذه الصيحات الحديثة سبقتها قصة طويلة؛ إذ حُضرت القهوة على مدى قرون ضمن طقوس خاصة، وشُربت في الصالونات والمقاهي، بل ارتبطت في مراحل مختلفة بالأفكار الثورية والحركات الاجتماعية.

وفي الوقت نفسه، يرتبط تاريخ القهوة ارتباطًا وثيقًا بالاستعمار، فيما تواجه زراعتها اليوم تحديات مرتبطة بتغير المناخ. فارتفاع درجات الحرارة وعدم انتظام هطول الأمطار يزيدان الضغوط على كثير من مزارعي البن، بالتزامن مع ارتفاع أسعار القهوة بصورة كبيرة.

ورغم ذلك، فإن استهلاك نحو ملياري فنجان من القهوة يوميًا يعكس مدى حضور هذا المشروب في ثقافات العالم.

 القهوة بين الأسطورة والروحانية

تروي إحدى أشهر الأساطير أن راعي ماعز إثيوبيًا يدعى “كالدي” اكتشف القهوة عندما لاحظ أن ماعزه أصبحت أكثر نشاطًا بعد تناولها حبات حمراء من إحدى الأشجار.

ورغم أن هذه الرواية تُعد على الأرجح أسطورية، فإن قهوة “أرابيكا” تنحدر بالفعل من منطقة كافا في إثيوبيا، حيث لا تزال القهوة تؤدي دورًا مهمًا في الطقوس الاجتماعية حتى اليوم.

وفي مراسم القهوة الإثيوبية التقليدية، تُحمص الحبوب على نار مفتوحة، ثم تُحضر في إبريق خزفي يعرف باسم “جيبينا”، في طقس يرتبط بالضيافة والتواصل الاجتماعي.

أما في السنغال، فتعد “قهوة طوبا” أكثر من مجرد مشروب؛ إذ تُنكه بالفلفل والقرنفل وترتبط بالتقاليد الصوفية الإسلامية، ما يمنحها بعدًا روحانيًا. وفي عدد من الدول العربية، يضاف الهيل إلى القهوة ليمنحها نكهتها المميزة.

وفي تركيا، يُغلى مسحوق القهوة المطحون ناعمًا مع الماء والسكر داخل إبريق نحاسي يُعرف باسم “جزوة”، وهي الطريقة المرتبطة بالقهوة التركية. وتُحضر بطريقة مشابهة في اليونان، حيث تعرف باسم “كافيداكي”.

وبعد الانتهاء من شرب القهوة، تبقى الرواسب في قاع الفنجان، لترتبط بعادة قديمة تقوم على قراءة أشكالها في محاولة للتنبؤ بالمستقبل.

وفي إيطاليا، يحظى الإسبريسو بمكانة خاصة، ويُقدم عادة في فنجان صغير وسميك الجدران، فيما يمثل “كافيزينيو” في البرازيل، وهو فنجان صغير من القهوة المحلاة، رمزًا للضيافة وجزءًا من الحياة اليومية.

وخلال الإغلاق المرتبط بجائحة كورونا عام 2020، أعادت كوريا الجنوبية القهوة إلى واجهة الاهتمام العالمي عبر انتشار “دالغونا كوفي”، وهو مزيج من القهوة الفورية والسكر والماء، تحول إلى واحدة من أبرز الصيحات على منصة تيك توك.

جبن وبيض مع القهوة؟

لا تقتصر طرق إعداد القهوة حول العالم على الوصفات التقليدية، إذ توجد أنواع مبتكرة قد تبدو غريبة في بعض الثقافات.

ففي فنلندا والسويد، تُسكب القهوة على مكعبات من الجبن المصنوع من حليب الأبقار أو الرنة، في عادة قديمة متوارثة.

وفي فيتنام، ظهرت “قهوة البيض” بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة نقص الحليب، وهي مزيج من صفار البيض المخفوق والحليب المكثف المحلى والقهوة، قبل أن تتحول بمرور الوقت إلى أحد المشروبات الكلاسيكية المحبوبة.

ومن بين الأنواع الأكثر إثارة للجدل “كوبي لواك” الإندونيسية، وهي قهوة تُنتج من حبوب مرت عبر الجهاز الهضمي لحيوان الزباد قبل جمعها ومعالجتها.

ويقوم إنتاجها على فكرة أن عملية التخمير داخل الجهاز الهضمي تساعد على جعل مذاق القهوة أكثر نعومة. إلا أن منظمات حماية الحيوان تحذر من الممارسات المرتبطة بإنتاجها، إذ تُحتجز بعض حيوانات الزباد في أقفاص وتُجبر على تناول حبوب القهوة.

وتشير شركات إلى أن منتجاتها تعتمد على حبوب جُمعت من حيوانات تعيش في البرية، غير أن مصداقية هذه الادعاءات تظل موضع شك في كثير من الحالات.

 من إثيوبيا إلى اليمن.. بداية الرحلة العالمية

لم تنتقل القهوة حول العالم في أكياس التجارة فحسب، بل سافرت أيضًا عبر طرق التجارة والتيارات الروحية والتوسع الاستعماري.

ورغم أن أصل نبات القهوة يعود إلى إثيوبيا، فإن أول زراعة موثقة له كانت في اليمن، حيث ارتبط أيضًا باسمه العربي “قهوة”، وهي كلمة كانت تستخدم في الأصل للدلالة على الخمر.

واستخدم الصوفيون القهوة للبقاء يقظين خلال صلواتهم الليلية، قبل أن تتوسع زراعتها وتجارتها تدريجيًا.

وأصبح ميناء المخا اليمني مركزًا عالميًا مهمًا لتجارة حبوب القهوة، ليسهم في انتقالها إلى مناطق بعيدة من العالم.

سبع حبات تنقل القهوة إلى الهند

وفق إحدى الروايات، تمكن الصوفي الهندي بابا بودان في القرن السابع عشر من نقل سبع حبات قهوة خصبة من اليمن إلى جنوب الهند، رغم القيود العربية المفروضة آنذاك على تصدير الحبوب القابلة للزراعة.

وكانت تلك الحبات، بحسب الرواية، بداية لزراعة القهوة في الهند، قبل أن تتوسع زراعتها في مناطق أخرى.

وسرعان ما أدركت القوى الاستعمارية الأوروبية الأهمية الاقتصادية للقهوة، فزرعها الهولنديون في جزيرة جاوة، والفرنسيون في منطقة الكاريبي، والبرتغاليون في البرازيل.

وغالبًا ما ارتبط توسع إنتاج القهوة خلال الحقبة الاستعمارية بالعنف والعبودية والعمل القسري، قبل أن تتحول البرازيل إلى قوة كبرى في إنتاج القهوة عالميًا.

أستراليا ونيوزيلندا.. خلاف على “فلات وايت”

رغم دخول أستراليا المتأخر نسبيًا إلى عالم القهوة، فإنها تمتلك اليوم ثقافة واسعة مرتبطة بالمقاهي وإعداد المشروب.

ويستمر خلاف طريف بين أستراليا ونيوزيلندا بشأن أصل مشروب “فلات وايت”، إذ تدعي كل منهما أنها صاحبة ابتكاره خلال ثمانينيات القرن الماضي.

 المقاهي.. ساحات للأفكار والثورات

لم تكن المقاهي مجرد أماكن لشرب القهوة، بل تحولت في فترات تاريخية عديدة إلى فضاءات لتبادل الأفكار والنقاشات السياسية والاجتماعية.

وفي إسطنبول خلال القرن السادس عشر، حاول الحكام حظر المقاهي مرات عدة، وسط مخاوف من تحولها إلى بؤر للقلاقل والتجمعات المعارضة.

وفي أوروبا خلال عصر التنوير، أصبحت المقاهي ملتقى للمفكرين وأصحاب الأفكار الجديدة والثورية، وكان من أشهر محبي القهوة الفيلسوفان فولتير وروسو.

أما في أمريكا خلال الحقبة الاستعمارية، فتزايد حضور القهوة على حساب الشاي الذي فرضت عليه بريطانيا الضرائب.

وكانت “حانة التنين الأخضر” في بوسطن واحدة من أماكن تجمع أعضاء جماعة “أبناء الحرية” لتنظيم المقاومة ضد الحكم البريطاني.

ومن أبرز أحداث تلك المرحلة ما عُرف لاحقًا باسم “حفلة شاي بوسطن”، عندما ألقى محتجون مئات الصناديق التابعة لشركة الهند الشرقية البريطانية في ميناء بوسطن، في حدث أصبح من المحطات البارزة التي سبقت حركة الاستقلال الأمريكية خلال القرن الثامن عشر.

وهكذا، لم تبق القهوة مجرد حبوب تُحمص وتُطحن ثم تُسكب في الفناجين، بل تحولت عبر القرون إلى جزء من الطقوس الروحية والاجتماعية، ورافقت التجارة والاستعمار والثورات، قبل أن تصبح واحدًا من أكثر المشروبات حضورًا في الحياة اليومية حول العالم.

Exit mobile version