الوضع الداكن
اقتصاد - النفط في النرويج.. من نعمة إلى عبء؟
نشر بتاريخ 2025/07/26 7:19 مساءً
107 مشاهدة
النفط-في-النرويج

بئر واحدة غيّرت مصير النرويج

في عام 1969، كانت النرويج على حافة التراجع عن حلمها النفطي. شركة “فيليبس بتروليوم” الأميركية قررت حفر بئر أخيرة في الجرف القاري، استعدادًا للانسحاب من مشروع بدا أنه خاسر. لكن تلك البئر لم تكن عادية؛ بل كشفت عن كنز هائل غيّر مستقبل البلاد إلى الأبد. هكذا وُلد حقل “إيكوفيسك”، ومعه بدأت رحلة طويلة من التحول الاقتصادي قادت النرويج لتصبح من بين أغنى دول العالم.

 


تابعونا على التليكرام


صندوق النفط.. حلم تحول إلى نقاش وطني

من خلال عائدات النفط في النرويج، أنشأت الحكومة الصندوق السيادي الذي يُعد الأكبر عالميًا اليوم، بأصول تقترب من تريليوني دولار. هذا يعادل تقريبًا 340 ألف دولار لكل نرويجي، وفقًا لتقرير بلومبيرغ. بناء على ذلك، عاشت البلاد عقودًا من الرفاه: بطالة شبه معدومة، دين حكومي منخفض، ونظام ضمان اجتماعي سخي.

لكن من ناحية أخرى، بدأ القلق يتسلل في السنوات الأخيرة، حيثما تساءل كثيرون: هل يمكن للثراء المفرط أن يخنق الطموح؟ هل الثروة النفطية جعلت النرويجيين أقل حافزية للعمل والإنتاج؟

“الدولة الغنية أكثر من اللازم”

في بداية هذا العام، صدر كتاب بعنوان “الدولة التي أصبحت غنية أكثر من اللازم”، للخبير الاقتصادي مارتن بيك هولته. أثار هذا العمل ضجة واسعة، حيث باع أكثر من 56 ألف نسخة، وأصبح حديث المؤتمرات والجامعات والإعلام.

يرى هولته أن المشكلة ليست في “النفط في النرويج” بحد ذاته، بل في الطريقة التي تُدار بها هذه الثروة. حسب رأيه، الاقتصاد النرويجي بات “كسولًا”، والمجتمع استهلاكيًا أكثر من اللازم، فيما تغيب الرؤية عن مؤسسات الدولة رغم وفرة الموارد.

مشاريع متضخمة وسياسات ضريبية مربكة

من الأمثلة الصارخة التي يسوقها هولته، مشروع مترو في أوسلو تضاعفت تكلفته ست مرات، ومشروع احتجاز الكربون “نورذرن لايتس” الذي يكلف المليارات دون عائد واضح. كذلك، يشير إلى أن النظام الضريبي يشجع الاقتراض الاستهلاكي بدلاً من الادخار، مما رفع ديون الأسر إلى 220% من دخلها السنوي، وهو الأعلى بين دول منظمة التعاون والتنمية.

كما، انتقد صندوق النقد الدولي نظام الإجازات المرضية في البلاد، الذي يسمح بدفع راتب كامل لمدة تصل إلى 12 شهرًا، واعتبره “مكلفًا ومشوهًا”، حيث يكلف الدولة نحو 8% من الناتج المحلي.

تراجع في التعليم وهجرة العقول

رغم أن النرويج تنفق أكثر من 20 ألف دولار سنويًا على كل طالب، إلا أن الأداء التعليمي في تراجع مستمر. بين عامي 2015 و2022، سجل الطلاب انخفاضًا في نتائج الرياضيات والعلوم والقراءة. زعيمة المعارضة، إرنا سولبرغ، قالتها صراحة: “نحن على شفير كارثة تعليمية”.

من ناحية أخرى، فإن معدلات الابتكار في البلاد تراجعت، وعدد المشاريع الناشئة الممولة في 2024 كان الأدنى على الإطلاق. كذلك، بدأت رؤوس الأموال تغادر إلى دول مثل سويسرا، بسبب الضرائب المرتفعة. وقال مدير الاستثمار في مؤسسة “فورمو”: “اخترنا نموذجًا لا يُلهم الاستثمار، رغم ثروتنا”.

ما بعد النفط.. اختبار قادم للنرويج

رغم أن إنتاج النفط في النرويج بلغ ذروته قبل عقدين، فإن الحرب في أوكرانيا أعادت النشاط إلى هذا القطاع، خصوصًا مع ارتفاع الطلب الأوروبي على الغاز. يشكّل النفط والغاز حاليًا 21% من الناتج المحلي، ويعمل فيه أكثر من 200 ألف نرويجي.

لكن، في ظل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، يطرح سؤال جوهري: هل يستطيع اقتصاد يعتمد على “النفط في النرويج” التكيّف مع واقع جديد؟ يرى بعض الاقتصاديين أن النرويج تعاني من “نسخة هادئة من مرض هولندا”، حيث يؤدي الاعتماد على الموارد الطبيعية إلى تضخم داخلي يُضعف قطاعات أخرى.

هل تضيع الفرصة الذهبية؟

هولته يصف الاقتصاد النرويجي بـ”الوريث المدلل” الذي ورث ستة أضعاف دخله السنوي، ويعيش بلا خطة طويلة المدى. في أحد تصريحاته قال: “أخذنا الطريق السهل، ونهدر أكبر فرصة حصلت عليها دولة غربية في العصر الحديث”. وهو يدعو لتقليص الإنفاق، وتخفيف الضرائب، وفرض قيود صارمة على سحب الأموال من الصندوق السيادي.

في النهاية، تبقى النرويج دولة غنية ومستقرة، لكن تجربتها باتت مثالًا على أن إدارة الثروة أصعب من جمعها. ومع استمرار الاعتماد على النفط في النرويج، فإن البلاد بحاجة ملحة لإعادة التفكير في نموذجها الاقتصادي.

الكلمات الدلالية
مقالات ذات صلة
اقرأ ايضاً
اخر الحلقات