تُصوَّر مدينة بومبي غالبًا على أنها «كبسولة زمنية» توقفت فيها الحياة فجأة عقب ثوران بركان فيزوف عام 79 ميلادي، بعدما غطى الرماد البركاني المدينة الرومانية بطبقة كثيفة ودفنها بالكامل.
ولسنوات طويلة، سادت رواية مفادها أن جميع سكان بومبي لقوا حتفهم في الكارثة، وأن المدينة بقيت محفوظة على حالها منذ لحظة الدمار. إلا أن أبحاثًا حديثة تشير إلى أن هذه الصورة لا تروي القصة كاملة.
تابعونا على التليكرام
أدلة غائبة تعيد رسم المشهد
يرى البروفيسور ستيفن تاك، أستاذ ورئيس قسم الدراسات الكلاسيكية في جامعة ميامي بولاية أوهايو، أن الاعتقاد بموت جميع سكان بومبي أصبح رواية راسخة، رغم وجود مؤشرات تدفع إلى إعادة النظر فيها.
وقال تاك لـCNN إن هذه الرواية تبدو حاضرة في كل مكان داخل بومبي، حيث يسود الانطباع بأن الجميع مات وأن كل شيء أُبيد.
وخلال زياراته المتكررة إلى المدينة، لفت انتباهه ما وصفه بـ«الأدلة الغائبة»، أي الأشياء التي كان يُفترض وجودها في المدينة لكنها لم تكن هناك عند وقوع الكارثة.
وأشار إلى أن الأضرحة المنزلية كانت فارغة، والإسطبلات خالية، كما لم تكن هناك قوارب راسية في الميناء، في حين وُجدت الصناديق التي كان الرومان يحتفظون فيها بأموالهم فارغة أيضًا.
وبحسب تاك، تشير هذه الملاحظات إلى أن عددًا كبيرًا من السكان ربما غادروا المدينة قبل وقوع الثوران النهائي.
مشروع لتعقب الناجين
على مدى أكثر من 10 سنوات، عمل تاك على مشروع «الناجون من بومبي»، بهدف تعقب الأشخاص الذين تمكنوا من مغادرة بومبي ومدينة هيركولانيوم المجاورة قبل تدميرهما.
ونُشرت نتائج أبحاثه في كتاب صدر عام 2025 بعنوان «الهروب من بومبي: الثوران العظيم لبركان فيزوف وناجوه».
واعتمد الباحث في دراسته على قواعد بيانات تضم آلاف النقوش اللاتينية التي اكتشفها علماء الآثار، وكانت تتضمن أسماء سكان المدينتين منقوشة على ألواح حجرية.
وبعد ذلك، تتبع ظهور هذه الأسماء في مدن رومانية أخرى، في محاولة لمعرفة ما إذا كانت حياة أصحابها قد استمرت بعد يوم الكارثة.
وقاده البحث إلى العثور على أدلة تشير إلى أن عددًا من السكان تمكنوا بالفعل من النجاة، قبل أن يعيدوا بناء حياتهم في أماكن أخرى.
قصص الناجين في سلسلة وثائقية
وتستعرض السلسلة الوثائقية الجديدة «بومبي: خارج الزمن» ثلاثًا من قصص الناجين، ويقدمها الممثل البريطاني توم هيدلستون، المعروف باهتمامه بالتاريخ والدراسات الكلاسيكية، إلى جانب استكشاف أبحاث ستيفن تاك المتعلقة بالناجين.
وتمزج السلسلة بين إعادة تمثيل الأحداث والأبحاث العلمية، وتتابع حياة متدرب حدادة شاب، وسيدة أعمال، وجندي من الحرس الإمبراطوري خلال يوم الثوران، من خلال عد تنازلي يكشف المصير النهائي لكل شخصية.
وقال هيدلستون إن ما يجعل قصة بومبي استثنائية هو الكم الكبير والمتنوع من التفاصيل المتاحة عن الحياة اليومية لسكانها، معتبرًا أن المدينة تمثل رابطًا حيًا بالماضي والتاريخ الإنساني.
من قصة دمار إلى حكاية صمود
تكشف الأبحاث الحديثة جوانب جديدة من الحياة في بومبي قبل الكارثة وبعدها، وتعيد تشكيل النظرة التقليدية إلى ما جرى.
فلم تعد قصة المدينة مرتبطة بالدمار والموت فقط، بل باتت تسلط الضوء أيضًا على الشجاعة والصمود وقدرة الإنسان على التكيف مع الكوارث الطبيعية وإعادة بناء حياته.
وتوضح السلسلة أن سكان بومبي لم يدركوا حجم الخطر الحقيقي الذي كانوا يعيشون في ظله.

